هل يُعقل أن تتبادر إلى ذهنك «الصَّبّوحة» فوراً، بينما أنت عاكف على موضوع تتلاقى فيه سواقي علوم الأحياء، الوراثة تحديداً، والتطور البشري؟ القضية ليست بهذه البساطة، حتى «تغدّيني جبنة وزيتون، وتعشّيني بطاطة». لقد لعبت البطاطس، أدواراً علمية ثقافيةً تتجاوز بآماد المقرمش والمقليّ والمسلوق والمُفرّن.
مجلة «مستقبل العلوم» الفرنسية (6 أغسطس)، نشرت مقالاً عنوانه: «استئناس البطاطا أثّر في التطور الوراثي البشري». كشفت اختبارات جينيّة أن الشعوب الأندية، وريثة حضارات الأنديز، في بيرو، بوليفيا، الإكوادور، فنزويلا، شيلي.. تمتلك عدداً كبيراً من نُسخ مورّث الأميليز اللعابي، وهو أنزيم يهضم النَّشا. أمّا السبب فهو استئناس البطاطا، التي صارت أليفة قبل قرابة اثني عشر ألف سنة، أي في العصر الحجري الحديث (النيوليتي). «أنانية» جغرافية، فلولا الإسبان الذين غزوا القارة الجديدة، ما كانت البطاطا اجتاحت أوروبا وآسيا وإفريقيا، في القرن السادس عشر فصاعداً.
منذ ظهور الإنسان العاقل (هوموسابيانس)، ظلّ التطوّران البيولوجي والثقافي، الثقافة من منظار أنثروبولوجي، يتحاوران ويتلاقحان، ويشكّلان ما صار يسمّى علم التطور الثقافي الحيوي. من أبرز الأمثلة النتائج التي أسفر عنها استهلاك الحبوب الغنيّة بالنشا. لقد أدّى ذلك إلى تكاثر مورّث الأنزيم الذي يقطع النشا إلى جلوكوز، في عملية معالجة للسكاكر المعقدة. أهل الشعوب الأنديّة، يمتلكون عشر نسخ من جين الأميليز اللعابي، بينما باقي شعوب العالم لا يحظون إلا بسبعة، ما يعني قدرة أقلّ على التعامل مع الكربوهيدرات. هذه في سمع لغتنا الجميلة: كرْبٌ وهَدَرات، عافاكم الله. أهل تلك المناطق الجبلية يتمتعون بأجسام عجيبة في تحمّلها لنقص الأكسجين على ارتفاع أكثر من أربعة آلاف متر. غيرهم يضيق صدره حرجاً.
الآن، هل تستطيع أن تستمتع بمقرمشات البطاطس، أو بإعدادها في الفرن بالزبدة، أو مقليّةً، أو كعصيدة مرافقة لشريحة ستيك دامية، من دون أن تستعيد ما لاقته وقاسته شعوب الهنود الحمر من أساليب التفنّن في الإبادة، باسم القيم الحضارية والتحرير ونشر الديمقراطية. وهذه المعزوفات معهودة في المضارب العربية، مألوفة في آذاننا أكثر من موسيقى «المالوف» في الموشحات الأندلسية، من دون ربط بين الأندلس والإسبان في تاريخ البطاطا.
لزوم ما يلزم: النتيجة الشعرية: قال القلم: «لا تشغلِ البال بأمر البطاطْ.. وغصْ إلى التفكير في الانحطاطْ.. فقبل أن تأكل شِبساً جرتْ.. أنهار قانٍ فوق ذاك البساطْ».
