قلت للقلم: هلّا أفصحت عمّا تعنيه بالتجربة الذهنية في الكتابة الإبداعية؟ عيب أن يقال لمن اشتعل رأسه شيباً، إن العمود ليس مجالاً للطلاسم.
قال: وليس من الطّيبة الردّ عليك بما قاله أبو تمّام حين سئل: ما لك تقول ما لا يُفهم؟
قال: وما لك لا تفهم ما يقال؟
التجربة الذهنية، يا عزيزتي الموهبة الواعدة، ألوان شتّى. ما رأيك في قائد عسكري، يأمر جيشه بالزحف، من دون خطة؟
ما تقولين في بلدان تخطيط اقتصاداتها: «لك الساعة التي أنت فيها»؟ كذلك الكاتب الذي يأخذ قلماً وأوراقاً، أو لوحة مفاتيح، وينطلق في كتابة رواية، لم يرسم لها مساراً غير أنه يريدها في خمسمئة صفحة. يجب أن يعرف القلم إلى أين يسير، كمن يغادر داره وهو دارٍ بدرب الرجوع. في ارتجال الموال والتقسيم، تبدأ الجولة من المقام الذي سيكون مقام الأغنية التي ستليه. ليس جميلاً أن يكون الموال في الراست، والأغنية في الحجاز.
التجربة الذهنية، تكون أحياناً كالتسخين. بيتهوفن كان يهيّئ الجوّ لاستقبال الإبداع. يخرج في جولة طويلة يقطعها سعياً، أي فوق المشي الحثيث. سرعة المشي ترفع تدفّق الأوكسجين. الدماغ، بكتلة 1.3 كج من الجسم، يستحوذ على 20% من الأوكسجين والغذاء. بيتهوفن كان يدرك، قبل عصر الطيران، أن التحليق يتطلب طاقة جبّارة. محركات الطائرة، قبل الإقلاع، تشغّل أقصى طاقتها، حتى نقطة اللاعودة وارتفاع أنف الطائرة. سيد درويش كان يمشي في الأسواق، يتصيّد ومضات لحنيّةً من نداءات الباعة. هؤلاء لهم جمل موسيقية لها مقامات وإيقاعات.
أذن ذلك العبقري كانت شبكة الصيد والشّص. درويش الشاب، غير «العجوز والبحر». تخيّل، كم تجربةً ذهنيةً تنبثق في أفق خياله في كل صيحة منغّمة، عن الطماطم، التفاح، الملابس القديمة أو بقايا الخبز. صيحات لكنها في مقامات. بافاروتي ظريف، يُعرّف الغناء الأوبرالي بأنه: «صياح مثقف».
عزيزتي الموهبة الواعدة: اكتبي في دماغك، اعزفي على أوتار مهجتك، ارسمي على كانفاس روحك بخامات خيالك وفكرك ومشاعرك، بعد ذلك أوقفي زمن إبداعك على الورق، على التدوين الموسيقي أو على قماش الرسم. التجربة الذهنية قد تلهمك تجارب إبداعيةً في التجربة الواحدة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفكرية: حين تتأصل التجربة الذهنية، تصير وحدةً اندماجيةً بين تلقائية الإلهام وانعقاد الخلية الأولى للعمل الإبداعي.
