الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الضفة.. الخناق يتسع

15 أغسطس 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 15 أغسطس 00:07 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
​لم تعد الأحداث الجارية في الضفة الغربية مجرد اعتداءات متفرقة أو سلوكيات فردية يمكن إدراجها بسهولة ضمن خانة «التوتر العابر»، بل إننا أمام مشاهد متلاحقة ومكثفة تتجمع خطوطها اليومية لتشكل لوحة واضحة المعالم لسياسة أمر واقع تفرض خطوة بخطوة على أرض الميدان، تحت سياط القوة التي يتسلح بها المستوطنون المدعومون بشكل مباشر من الجيش والحكومة الإسرائيلية وسط تغاض شبه كامل من المجتمع الدولي.
​وما تشهده بلدة «قصرة» جنوب شرقي نابلس هذه الأيام ليس سوى عينة مصغرة لما تؤول إليه الأوضاع الميدانية في الضفة الغربية الآن، حصار يطول منازل آمنين، وقطع متكرر للخدمات الأساسية من ماء وكهرباء، وإغلاق للمنافذ بوجه المساعدات الإنسانية والتغطية الصحفية التي تكشف صلف الاحتلال وخرقه المستمر للقوانين الدولية.
لكن المشهد لا يتوقف عند حدود هذه البلدة، إذ يمتد الخناق ليشمل جغرافيا أوسع، تتداخل فيها إقامة البؤر الاستيطانية المباغتة مع قيود الحركة اليومية والتضييق المعيشي والميداني، ليجد الفلسطيني نفسه في مواجهة حتمية مع واقع يسعى لتثبيت مسار طويل من الاقتلاع والتهجير القسري.
​ ما يجري في قصرة يعكس استراتيجية مدروسة ومنظمة ومحكمة للسيطرة التدريجية على أراضي الضفة الغربية، حيث تتجلى ملامح تقاسم واضح ودقيق للأدوار يبدأ بنصب خيمة استيطانية أو بؤرة عشوائية كما يسمونها، يتبعه هجوم مكثف للمستوطنين المدججين بالسلاح، ليأتي بعد ذلك دور قوات الجيش بإغلاق المنطقة بالكامل وإعلانها «منطقة عسكرية مغلقة» تُحرّم على أصحابها الأصليين وتُتاح بحرية للمستوطنين. هذه الديناميكية الميدانية المتكررة حولت الاعتداءات من مجرد سلوكيات فوضوية إلى أداة تنفيذية رسمية تهدف لتفريغ الأرض وخلق واقع ديمغرافي وجغرافي جديد يخدم أجندات التوسع التي يضعها الاحتلال في مقدمة أولوياته.
​يترافق هذا التصعيد الميداني مع تغطية سياسية صريحة من داخل أروقة الحكومة الإسرائيلية، إذ تحظى هذه التحركات برعاية كاملة وتصريحات علنية تباهي بالسيطرة الميدانية وتعتبر توسيع الاستيطان إنجازاً استراتيجياً لإحباط أي فرصة قائمة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
هذا التلاقي الإيديولوجي والأمني الشامل يوفر للمستوطنين حصانة كاملة تدفعهم لتكرار نموذج قصرة في مختلف القرى والتجمعات المجاورة، دون أي رادع حقيقي، وفي ظل موقف دولي باهت لم يتجاوز حدود بيانات القلق والتحذير المعتادة.
​الاستمرار في هذا المسار المتصاعد، ومحاولة حسم الصراع بالقوة المباشرة وفرض السيطرة الشاملة، لن يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى تفجير الأوضاع وتعميق حالة الانسداد الإنساني والسياسي في المنطقة، فالأرض التي تضيق بساكنيها كل يوم تحت وطأة الحصار والاعتداءات المتواصلة، تنذر بوضوح بأن خيارات الترهيب وفرض الأمر الواقع لن تنتج استقراراً أو أماناً، بل تدفع المنطقة بأسرها نحو نقطة الانفجار المحتوم، ما يضع الجميع أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية لمواجهة هذا التمدد الخطير قبل فوات الأوان.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة