الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

احتلال بهدف الابتلاع

16 أغسطس 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 16 أغسطس 00:06 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
من الطبيعي أن تكون حدود الدول الساعية للعيش وسط محيطها في سلام مستقرة ثابتة لا تتغير، أما الدول الطامعة فمساعيها للتوسع تجبرها على إسقاط السلام من حساباتها حتى لو أوهمت العالم بالسعي إليه، فهي تجنّد كل قدراتها العسكرية وأيضاً الدبلوماسية للتوسع والتمدد على حساب جيرانها وتفرض على كل محيطها عدم الاستقرار. ومنذ قيام دولة إسرائيل، لم تعرف جغرافيتها الثبات، ولم تكن حدودها أبداً مجرد خطوط تفصلها عن جيرانها، وإنما بدت في كثير من مراحل تاريخها خطوطاً قابلة للتحريك كلما سمحت موازين القوة بذلك. إسرائيل التي نشأت في عام 1948، لم تتوقف حروبها مع محيطها العربي، وانتهت كل حرب تقريباً بابتلاع أراض ترفض إعادتها لأصحابها.
يحدّثنا التاريخ أن بعض الدول سعت للتمدد ونجحت في ذلك لكن لبعض الوقت، لتعود بفعل القوة والضغط للتقوقع داخل حدودها بل والانهيار، ولنا دروس في تجارب العراق الذي احتل الكويت ليستنفر العالم كله لإعادة الحق إلى أصحابه، وقبله ألمانيا النازية واليابان الإمبراطورية وكلتاهما خاضت تجربة التوسع التي انتهت بالانهيار.
تاريخ إسرائيل تاريخٌ من الحروب، بدعوى الدفاع عن أمنها وأمان شعبها، لكن احتلالها أراضي عربية وبقاءها فيها ورفضها الانسحاب منها تثبت أن الهدف توسعي بحت. وأخطر ما في التجربة الإسرائيلية ليس مجرد احتلال أراضٍ عربية، وإنما فلسفة التعامل مع الاحتلال باعتباره خطوة يتم البناء عليها، تبدأ باحتلال الأرض، ثم إنشاء منطقة أمنية أو عازلة، ثم إقامة مستوطنات أو بنية تحتية، ثم فرض إدارة أو سيطرة دائمة، وصولاً إلى محاولة جعل الانسحاب منها أكثر صعوبة سياسياً وأمنياً.
الاستثناء الأبرز في هذه القاعدة كان سيناء المصرية التي احتلتها عام 1967 والتي استعادتها مصر كاملة في إطار معاهدة كامب ديفيد.
لكن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة وما حدث مع الجولان السورية يقدم النموذج الأكثر وضوحاً لسياسة مختلفة تماماً، فبدلاً من أن يكون الاحتلال مرحلة انتقالية تنتهي بالتفاوض، تحولت المستوطنات في الأراضي الفلسطينية إلى وسيلة لتثبيت الاحتلال وتقطيع أوصال الأرض الفلسطينية. الأخطر أن الأمر لم يعد مجرد استمرار لسياسة قديمة، بل يتخذ اتجاهاً أكثر وضوحاً نحو تحويل السيطرة إلى ضم فعلي، ففي شهر يوليو الماضي وافقت الحكومة الإسرائيلية على تخصيص نحو 1.3 مليار شيكل لإنشاء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، في خطوة تعد تكريساً لسياسة توسيع الوجود الإسرائيلي على الأرض وإجهاض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
هنا تظهر فلسفة «قضم الأرض»، فلا حاجة إلى إعلان ضم شامل في يوم واحــد، ويكفي أن تتغير الخريطة تدريجياً.
في غزة، أخذ الخطر شكلاً أكثر دمويــة، فالحرب الأخيرة لم تستهدف فقط تدمير البنية التحتية والإبادة الجماعية، وهو ما يثير قلقاً عالمياً تجاه مستقبل القطاع المنكوب ويجعل عودته إلى وضع ما قبل الحرب أمراً صعباً، فالتجربة تؤكد أن الأرض التي تدخلها القوات الإسرائيلية تحت عنوان أمني قد تصبح، إذا طال أمد بقائها، جزءاً من معادلة سياسية جديدة، ولعل هذا هو ما يفسر رفض نتنياهو خطة ترامب للسلام في غزة بعد أن قبلت به الفصائل الفلسطينية. وبالنسبة لمرتفعات الجولان، فرغم أنها ما زالت أرضاً سورية محتلة، فإن اعتراف أمريكا بضمها لإسرائيل يعيق إعادتها إلى سوريا رغم تأكيدات الأمم المتحدة مراراً عدم قانونية المستوطنات فيها.
وفي لبنان يتكرر السيناريو بصورة مختلفة، حيث الحجة الإسرائيلية المعتادة هي الأمن ومنع تهديد ميليشيات حزب الله لها، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الوجود العسكري الذي يُسوّق باعتباره إجراءً أمنياً مؤقتاً إلى وضع مفتوح المدة، ومع استمرار العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان وعودة الحديث عن الانسحاب والترتيبات الأمنية، يبقى السؤال الذي طرحته «وول ستريت جورنال» مشروعاً: هل تكون المناطق التي دخلتها إسرائيل ورقة تفاوض مؤقتة، أم نواة لمنطقة نفوذ دائمة بدعوى العزل؟
المخاوف من السلوكيات الإسرائيلية تتجاوز فلسطين ولبنان وسوريا، فإذا أصبح من المقبول أن تقتطع دولة أراضي جيرانها بالقوة ثم تفاوض على الانسحاب منها بعد تغيير الواقع على الأرض، فإن القانون الدولي يتحول من قاعدة تحكم العلاقات بين الدول إلى مجرد توصية يمكن تجاوزها عندما تتوافر القوة والحماية السياسية.
الأمن الإسرائيلي لا يمكن أن يكون ذريعة لإلغاء أمن الدول المجاورة، ولا يمكن أن يتحول حق إسرائيل في حماية مواطنيها إلى حق مفتوح في إعادة رسم جغرافية المنطقة، وإذا كان المجتمع الدولي قد أقر بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، فإن السماح بتحويل الاحتلال إلى ملكية سياسية يعني عملياً هدم أحد أهم المبادئ التي تقوم عليها منظومة الأمن الدولي!
المخاوف ليست من حرب جديدة فقط، وإنما من شرق أوسط جديد تسعى إليه إسرائيل وداعموها، تُرسم حدوده بالقصف والإبادة والاحتلال ثم الابتلاع.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة