على من تقع مسؤوليّة حلّ هذه المشكلة في نظرك؟ على الأوساط الثقافية؟ أم مناهج التربية والتعليم؟ أيّامَ لم تكن للشعوب العربية شبكة عنكبوتية، ولا مكتبات افتراضية، بنقرة فأرة يجودك غيث تنزيل الكتب بالآلاف مجّاناً، كان الناس يتهافتون على المؤلفات، وكان القراء مؤلفة قلوبهم وعقولهم ومهجهم، بهم نهم، بهم ظمأ، بهم شوق، بهم توق، إلى مناهل المعارف، حتى إذا اكتسحهم تسونامي المعلومات، انقطعت الشهيّة. تخيّل أن تكون جائعاً، فتفاجأ بعجل حنيذ على طن من الأرز، عليه حوض من سمن. المشهد الأصدق أقرب إلى ذلك المطعم في لاس فيجاس اسمه «مشاوي الأزمة القلبيّة (هارت أتّاك جريل)، ووجبته الشهيرة همبرغر ثماني الطبقات، برقم مروّع من السعرات الحرارية.
أنت مقصود، مستقصد، فالأمر يتعلق بأبنائك وأحفادك. الذكاء الاصطناعي، من حيث لا تشعر الشعوب، يسحب بساط المهارات من تحت الأجيال. الآلة تخدمنا، لكنها ليست خادماً حين تنسيك المقولة الذهبية للفيلسوف اليوناني أناكزاغوراس: «الإنسان يفكر لأن له يدين». تأمّل هذه القائمة الرائعة: أنت لم تعد في حاجة إلى كراكيب النحو والصرف، لأن الخوارزميات تصحح أخطاءك. ولا إلى التحقيق والبحث والتحرير، فهي تحقق وتعدّ البحث وتطبعه، وتترجمه إلى مئة لغة. ما شأنك وتكسير الرأس بحل المعادلات في الرياضيات والفيزياء؟ الذكاء الاصطناعي يأتيك بها قبل أن يرتدّ إليك رشدك وفطنتك. هل ستضيع وقتك في رسم لوحة من طراز «طبيعة ميّتة»؟ دعك من العناء، الآلة تستطيع أن تقتل لك بيئة بكاملها.
ما الذي تنتظره من هذه المخمصة العصرية؟ القضية تخصّ التنميات المتعثرة في العالم العربي، ولا تنطبق مطلقاً على بلاد الشرق الأقصى، كالصين واليابان وكوريا الجنوبية. أولئك عرفوا جيداً سبل الخروج من العثرات على صهوات جياد بيضاء من الرياضيات والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والذكاء الاصطناعي، مع عشق وهيام بميراث القرون، وما بدّلوا تبديلاً. لم يخدعهم بالأباطيل الخواجات. أمّا القادمون الذين سيفاجأ بهم العرب، إذا لم يستبينوا الأمر إلا ضحى نهاية القرن، فسيكونون بلا مهارات. على المناهج أن تدرك المأزق التاريخي. الأوطان تبنى بالأيدي. إنتاج العلوم بالأيدي. الأكل والدفاع بالأيدي.
لزوم ما يلزم: النتيجة الإيقاظية: منذ أكثر من قرنين، والقوى المهيمنة تطنّ في آذان العرب: «دع التنافس لا ترحل لبغيته». الأمّة تستطيع.
