لا يمكن المجادلة في الأثر البالغ للمدير أو لرئيس العمل على موظّفيه، سواء أكان هذا الأثر إيجابياً أم سلبياً، كما لا يمكن المجادلة في أن حضور رؤساء الأعمال في بيئات العمل بديهيٌّ ومنطقيّ، بل إن غياب القيادة الإدارية يعني الفوضى وعدم الإنتاجية.
وبعد مُضيّ عدة سنوات من العمل، ستجد موظّفين يذكرون مديريهم بامتنان؛ لأنهم وثقوا بهم ومنحوهم المساحة للإبداع، وكانوا داعمين لهم وموجِّهين، وهناك من يذكر مديره بمرارة وألم، فقد كان حجر عثرة في مسيرته، ولم يقدّم له المساعدة التي يحتاج إليها. وهناك مقولة في أدبيات الإدارة مفادها: «الموظّفون لا يتركون مقارّ عملهم، إنما يتركون المديرين».
وقد يجد البعض في هذه الجملة مبالغة، إلا أنها تحمل جانباً من الصحة، خاصة عندما نعلم أن أثر المدير بالغٌ جداً في فريق عمله، وأن هذا التأثير قد يكون أعمق من بيئة العمل نفسها. وكما هو معروف، فإن الدراسات العلمية الحديثة في مجال الصحة المهنية ربطت بين نمط القيادة وصحة الموظّفين؛ فهناك بحثٌ من السويد استمرّ سنوات، خلص إلى أن العاملين تحت إدارة يصفونها بالسيّئة كانوا أكثر عرضةً لأمراض القلب بفارق ملحوظ عن غيرهم، وهذا يبيّن أن المدير المباشر لا يؤثّر في المسار المهني فقط، بل يمتدّ أثره إلى جودة النوم والمزاج والتوتر... إلخ.
والغريب أن هذا الأثر لا يكمن في قرارات المدير المهمّة، مثل الترقيات والمكافآت؛ لأنها تُنسى مع مرور السنوات، لكن هناك جوانب قد يراها بعضهم صغيرة ولكن لها تأثير بالغ، مثل سؤال لطيف من المدير عن حال موظّف، أو أن يشيد بفكرة موظّف ما، أو أن يكون موجِّهاً وداعماً لموظّف عندما يخطئ، ويعلّمه مهارة العمل بحرص ودقة وهدوء... إلخ. وهذا لا يعني أنه يجب على المديرين أن يكونوا ودودين دائماً، أو أن يجاملوا؛ لأن هناك مديرين معروفين بأن سقف توقّعاتهم عالٍ، وبأنهم شديدون في مطالبهم، ومع هذا يُذكرون بكل خير من موظّفيهم. فالفرق لا يكمن في الليونة أو الشدّة، بل فيمن يتشدّد لأن هدفه الأفضل والأجود، ومن يتشدّد على موظّفيه لأنه يريده أقلّ، أو لا يثق بإمكاناته وقدراته ومهاراته.
وعند التقاعد، لن يتذكّر الناس مديريهم بالخطابات الموقَّعة ولا التقارير المعتمدة، بل بأن هذا المدير ساعدني، ودعمني، ووقف معي، ووجّهني، ونصحني.. وكما قيل: بيئات العمل تُقاس بالأرقام، أما الناس فيُقاسون بالأثر.
