لعل أغرب ما صنعناه في زمننا أننا منحنا الآخرين مفاتيح صغيرة إلى أذواقنا، ثم تظاهرنا بأنها خياراتنا!
نرى الناس يذهبون إلى مكان، فيصبح وجهتنا، نراهم يلتقطون صورة من زاوية، فنقف فيها، تظهر حقيبة على كتف إحداهن، فتصبح فجأة خيار أغلب النساء، يرتدي أحدهم حذاء معيناً، فتراه في أقدام أغلب الرجال، يخرج أحدهم بفكرة، ثم تتكاثر حولها الأصوات، فإذا بالفكرة تتحول إلى مزاج عام، والمزاج إلى عادة، والعادة إلى شيء يشبه الحقيقة.
وهنا تكمن المفارقة: نعيش في عصر يقدّس التميز والفردية، بينما نتشابه فيه دون أن نشعر حتى النخاع.
المسألة ليست في السفر، ولا في الموضة، ولا في الصورة. تلك مجرد أوراق تظهر على سطح الماء، أما ما تحتها فهو سؤال أقدم وأخطر: كيف تتكون رغباتنا؟ هل نرى الشيء فنحبه، أم نراه محبوباً فنقتنيه؟
فالتكرار ليس بريئاً دائماً. ما تراه العين مرة قد يلفت انتباهها، وما تراه مئة مرة يبدأ في اكتساب سلطة خفية عليها. يصبح المألوف جميلاً، والشائع صواباً، والمزدحم دليلاً على القيمة. وهكذا قد لا يختار الناس الشيء لأنه استحق اختيارهم، بل لأن كثرة المختارين جعلته يبدو مستحقاً.
وقد جاءت «السوشيال ميديا» لتضع هذا المشهد كله في غرفة واحدة: رغبات الآخرين أمام أعيننا طوال الوقت. لم تعد تعرض لنا حياة الناس فحسب، بل تعرض لنا، بصورة ناعمة، ما الذي يستحق أن نرغب فيه.
وهنا يصبح التميز أكثر تعقيداً مما نظن، فليس كل من غيّر مظهر اختياره قد غيّر اختياره، قد نرتدي الشيء نفسه بطرق مختلفة، ونزور المكان نفسه بصور مختلفة، ونروي الحكاية نفسها بأصوات مختلفة، ثم نمنح التشابه ألف قناع ونسميه اختلافاً.
وربما لهذا يحتاج الإنسان، بين حين وآخر، إلى أن يبتعد قليلاً عن المرآة التي صنعها له العالم، وأن يسأل نفسه في هدوء: لو لم يرني أحد، هل كنت سأختار الشيء نفسه؟
ففي آخر الأمر، ليست الحرية أن تختار عكس الجماعة، ولا أن تبحث عن اختلاف يراك الناس فيه، الحرية أهدأ من ذلك وأصعب: أن تعرف ما الذي خرج منك، وما الذي دخل إليك دون أن تشعر.
وحين تهدأ الجموع، وتسقط عن الأشياء شهرتها، ويبقى الإنسان وحده أمام قلبه، هناك فقط يعرف: هل عاش بذوقه... أم عاش طويلاً يلبس ذوق العالم؟.
