ما يحدث اليوم داخل الجهات الحكومية، ليس مجرد أعمال يومية أو إنجازات ترتبط بمرحلة زمنية محدّدة، بل جزء من تاريخ الدولة وذاكرتها الوطنية؛ فالقرار الذي يتخذ اليوم، والمشروع الذي ينجز، والمبادرة التي تطلق، ستتحول بعد خمسين أو مئة عام، إلى شواهد تروي للأجيال القادمة قصة التنمية والتطور.
من هنا، تبرز أهمية توثيق إرث الجهات الحكومية وإنجازاتها، ضمن منظومة متكاملة للأرشفة، لا تقتصر على حفظ الوثائق داخل كل جهة، بل ترتبط بإطار وطني موحّد يضمن جمع هذا الإرث وتصنيفه وحمايته، ويتيح الرجوع إليه والاستفادة منه مستقبلاً.
لا شك في أن كثيراً من الجهات الحكومية بدأت بالفعل في الاهتمام بحفظ أرشيفها وتوثيق إنجازاتها، عبر الأنظمة الإلكترونية والمنصات الرقمية والمبادرات المؤسسية المختلفة. وهذه الجهود خطوة مهمة تعكس وعياً متزايداً بقيمة الذاكرة المؤسسية، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب ربط هذه الجهود ضمن منظومة متكاملة، تضمن توحيد المعايير واستمرارية الحفظ، وألا تعمل كل جهة بمعزل عن الجهات الأخرى.
ولا ننسى الدور المهم للجهات الوطنية المعنية بالأرشيف والتوثيق في الدولة، وما تبذله من جهود لحفظ الوثائق والسجلات التاريخية وصون الذاكرة الوطنية. كما تؤدي المؤسسات الإعلامية الوطنية دوراً لا يقل أهمية في توثيق مسيرة الدولة، فما تحتفظ به من أخبار وصور ومقابلات وتقارير وتسجيلات مرئية وصوتية، سجل حيّ للإنجازات والقرارات والمناسبات الوطنية.
لقد شهدت مؤسسات الدولة منذ بدايات السبعينات والثمانينات إنجازات كبيرة أسهمت في بناء القطاعات الحكومية وتطوير الخدمات، ووضع الأسس التي نشأت عليها النهضة الحالية، إلا أن بعض هذه الإنجازات قد لا يكون موثقاً بالصورة الكافية، وقد يكون بعضها محفوظاً بالفعل، ولكن في أماكن متفرقة يصعب الوصول إليها أو الربط بينها.
الموظفون والمسؤولون يتغيرون، والهياكل التنظيمية تتطور، وهنا يجب ألا تعامل الأرشفة، بوصفها إجراءً إدارياً يقتصر على حفظ المراسلات والملفات فقط، بل مسؤولية وطنية وثقافية ومعرفية.
ويستدعي ذلك وجود تشريعات واضحة، كما نحتاج إلى منظومة رقمية وطنية تربط أرشيف الجهات الحكومية بالجهات المعنية بالأرشيف والتوثيق، وتتيح التكامل مع أرشيف المؤسسات الإعلامية الوطنية؛ فهذا الربط يجمع الوثيقة الرسمية والصورة والخبر، في سجل متكامل، يقدم صورة أكثر وضوحاً ودقة عن كل مرحلة من مراحل العمل الحكومي.
ما ننجزه اليوم، حاضر نعيشه، لكنه سيصبح غداً تاريخاً وإرثاً وطنياً، وإذا لم نوثقه بصورة منظمة ومتكاملة، فقد نفقد جزءاً مهماً من ذاكرة الدولة. ولذلك، فإن حماية الإرث مسؤولية مشتركة، تتطلب تشريعات، ومنظومة موحدة، وتعاوناً مستمراً بين الجهات.
