الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

نولان يبحث عن السلام

23 أغسطس 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 23 أغسطس 00:06 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
من البراعة أن يلجأ المخرج كريستوفر نولان إلى أسطورة الأوديسة، ليحاكم عصرنا، فالاكتشاف الأهم في الفيلم ليس معنى الحرب، بل معنى العودة.
في الأوديسة الكلاسيكية «إيثاكا» هي الوطن الذي يحاول أوديسيوس الوصول إليه بعد ضياع في التيه والبحار عشر سنوات، أما «إيثاكا» نولان فهي شيء آخر، ليست جزيرة بلا حاكم مفقود، وإنما هي السلام. فكل ما يمر به أوديسيوس يوحي بأن رحلته لا تقصد مكاناً فقط، بل رحلة إلى حالة وجودية مفقودة، إنه يبحث عن السكينة التي دمرتها الحرب، عن التوازن الذي تحطم، عن إمكانية أن يعيش من جديد دون أن يظل الخراب ساكناً داخله. فالإنسان يمكن أن يعود إلى بيته ويفشل أن يعود إلى نفسه.
من هنا يظهر السؤال الذي ظل يرافقني بعد انتهاء الفيلم: لماذا عاد أوديسيوس وحده دون جنوده ورفاقه؟
لماذا استطاع هو أن يفر من التيه الذي ابتلع الجميع؟
أتصور أن الإجابة التي حرص عليها الفيلم لا تتعلق بالشجاعة ولا الذكاء، وإنما بالوعي.
أوديسيوس هو الشخصية الوحيدة التي تبدو منشغلة طوال الوقت بمعنى ما حدث، بينما الآخرون يريدون النجاة فحسب.
إنه الوحيد الذي لم يتوقف عن محاسبة نفسه، الوحيد الذي يمتلك الشجاعة للنظر إلى الماضي دون تبرير، كأن رحلة التيه قد تحولت إلى عملية تطهير أخلاقي طويلة.
ولعل الجملة التي قالها أمام أنقاض طروادة تضيء هذه الحقيقة، فالرجل يعترف بأن الحرب كانت صيداً، لم يعد أسير البطولة.
وفي التراجيديا القديمة كما في الحياة، تبدأ النجاة الحقيقية من لحظة الرؤية، فلم يعد يكذب على نفسه، لذلك كانت العودة إلى إيثاكا مكافأة، استحقاقاً أخلاقياً.
فقط من يعترف بخرابه يستطيع أن يبحث عن السلام، ولا أعتقد أن الفيلم يتنبأ بنهاية عصور الظلام، كما وردت العبارة على لسان أوديسيوس، كما لو كانت نتيجة حتمية لمسار التاريخ، إنه يقول إن الظلام يولد عندما ينسى البشر القانون الذي يجعلهم بشراً.
إنها ليست نبوءة، بل مسؤولية.
تبقى مسألة أخيرة محيرة، ففي الوقت الذي أصر نولان على بياض البشرة ل«بينيلوبي» زوجة أوديسيوس، وهي رمز الوفاء والانتظار، اختار نولان سواد البشرة لكل من هيلين وكليتمنسترا زوجتي مينلاوس وأجامنون، وهما مثالا الخيانة وتقويض البيت والعهد، على خلاف الأسطورة الأصلية، ومخرج في حجم نولان لا يترك شيئاً للمصادفة أو عفو الخاطر، ولم أجد إجابة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة