بات في حكم المسلّم به أن الصعد السريع للصين، كقوة عالمية جديدة، هو أضخم معجزة سياسية - اقتصاديّة - استراتيجية في العصر الحديث تفوق قوّة ونتائجَ ما كانتْهُ المعجزة اليابانيّة في النصف الثاني من القرن العشرين. يكاد أن ينعقد إجماعٌ، اليوم، بين دارسي تاريخ النظام الدولي وتوازنات القوى فيه، كما بين الباحثين في ميادين الاقتصاد والتنمية والشؤون الاستراتيجية في العالم، على تلك الحقيقة. حتى النخب السياسية والاقتصادية المسيطرة في دول الغرب تعترف بذلك، وتخشى من أن يبلغ صعودُ الصين ذروتَه، قريباً، على عرش النظام الدولي لينته بسلطانها الكوني عصر الغرب الذي عُمِّر طويلاً: من القرن السادس عشر حتى يوم الناس هذا.
الصينيون وحدهم لا يتحدثون عن معجزةٍ ما يجترحونها ولا يسعوْن في تلميع صورتهم وتعظيم منجزهم. يتركون ذلك لغيرهم، فيما يشددون على أنّهم لا يفعلون سوى الانصراف إلى تطوير برامج تنمية بلادهم، وتحسين شروط حياة شعبهم والحفاظ على علاقات السِّلم والتعاون في العالم.
مفردة المعجزة ليستِ المفردةَ المناسبة لتوصيف عملية الصعود تلك، وما من أحدٍ يجحد حقيقة وجودِ سوابق صعود اقتصادي وعلميّ وتكنولوجيّ واستراتيجيّ في العالم منذ القرن الثامن عشر حتى الآن، ولا أحد يُنْكر أن قطبيةَ أي قوةٍ كبرى لم تكن تأخذ زمناً طويلاً، كي تتكون وتفرض وجودها، مثلما كان الأمرُ في إمبراطوريات الماضي.
مع ذلك، لا أحد يمكنه أن يُماريَ، أيضاً، في أن وراء عنفوان بريطانيا وفرنسا قرون ثلاثة من التّراكم، ووراء قوة أمريكا قرنان من التطور، وكذلك ألمانيا التي يعود تاريخ بداية صعودها إلى سبعينات القرن التاسع عشر، واليابان التي بدأت إقلاعها منذ منتصف القرن عينِه.
لقد قطعت هذه البلدان الكبرى، وهي تنتمي إلى الغرب، شوطاً تاريخياً طويلاً في بنائها النهضوي والتنموي لتصل إلى ما وصلت إليه اليوم، وبالتالي، يقف خَلْفَ صعودها تاريخٌ مديد. وليست هذه حال الصين في نهضتها وصعودها الحديثين، إذْ ما مرَّ عليها من الزمن أكثر من نيّفٍ وأربعين عاماً، أي ما يعادل جِيلاً واحداً من أجيالها، وهو زمن قياسي بجميع المعايير وليس موضعَ مقارنة، بالتالي، مع زمن النهوض الحضاري الغربي بنُسخاته المتعددة وآخرها النسخة الأمريكية.
لم يمر على استقلال الصين وثورتها أكثر من 77 عاماً، وهي، بحساب الزمن، أقل من جِيلين. حين نجحتِ الثورة الصينية، في عام 1949، كانت البلاد غارقة في مواريث القرون الوسطى وآثارِ الاحتلال الاستعماري لتسعِ دولٍ متعاقبة (آخرها الياباني) والحروب مع روسيا وبريطانيا، فضلاً عن الحرب الأهلية الداخلية التي انتهت إلى تقسيم البلاد. كان الفقر والأمراض والتخلف، وقد زادها الأفيون أواراً، منتشرةً في أنحاء البلاد كافة وتسحق مئات الملايين من الصينيين، مثلما تتحدى إرادةَ سلةٍ ثورية جدي ما كان أمامها من طبقات المجتمع المنتجة إلا طبقة الفلاحين الفقراء تعتمدها قاعدةً اجتماعيةً لها.
ولأن الثورة التي حصلت فيها قادها حزبٌ شيوعي وأقام سلطةً تالفت مع الاتحاد السوفييتي في العهد الستاليني، ولأن الحقبة كانت حقبةَ صراعٍ ضارٍ بين الغرب الرأسمالي والشرق الشيعي، فقد نال الصين من نتائج ذلك نصيب ثقيل الكلفة تَمَثَّلَ في حصار الغرب، والولايات المتّحدة، لها وفي دعم غريمتها تايوان وبالتالي، تعسيرِ شروط خروجها مما ترزح فيه من الأحوال الكالحة.
على أن الصين أتقنت كيف تستفيد من الحصار الاقتصادي المضروب عليها، وقد زادت وطأتُه بعد الانشقاق بينها والاتحاد السوڤييتي (في عهد بريجنيڤ)، إذْ ما لبثت أن انتهجت سياسة الاعتماد على الذات، وتعبئةِ الموارد الوطنية، ومقاومة الثقافة الاستهلاكية وتكثيفِ الإنتاج الوطني والاعتماد الحصري عليه، والتركيز على التنمية الإنسانية من تعليم وصحة وإسكان، وتعظيمِ الكفاءات الوطنية والاستثمارِ فيها بتنمية الموارد البشرية وتأهيلها، والاقتصادِ في استهلاك الموارد الطبيعية غير المتجددة.
ما من شك في أن حقبة الثورة مع قيادة ماوتسي تونغ (1949-1976) وضعت أسس المشروع التنموي للصين، غير أن حكومة هوا كوفينغ ومشروع العصرنات الأربع هي ما سيفتح أمام البلاد فرص الازدهار الكبير. ولم تكن عشرون عاماً قد انصرمت على تجبة تلك الحكومة، حتى كانت الصين تنتقل، في نهاية القرن العشرين، من دولةٍ تنتمي إلى «العالم الثالث» إلى دولةٍ تزاحم اليابان وألمانيا على مكانتهما في النظام الدولي قبل أن تتجاوزهما بمسافات شبه فلكية في العقدين الأخيرين موشكةً على زحزحة أمريكا نفسها من رُتبتها التي احتكرتها لِمَا يزيد عن ثمانين عاماً.
إذا كان من درس تستفيده دول الجنوب من صعود الصين فهو أن أي سيْرٍ في طريق النموذج الصيني قابلٌ لبلوغ أفضل النتائج إنْ سُلِك إليه من باب التنمية الوطنية المستقلة، وأُعْرِض عن كل سياسةٍ تشد إلى علاقات التبعية.
