ما رأيك في أن نأخذ القول المأثور: «إذا سألتم الله فاسألوه...» وجعلناه بمثابة استمارة، ونوّعنا السؤال؟ أمّا القلم فليس لديه سؤْل يجب أن يجري على لسان الأمّة، غير: إذا سألتم الله، فاسألوه الخيال والأفكار. هل لديك ما هو خير وأفضل؟
تأمل معي: عشرات الملايين من العرب، من الشبيبة في عنفوان الطاقة والاستعداد للعطاء، شحناتهم كلها مهدورة في عبثيات تيك توك، ومَقاتل الوقت في مقاهي لعب الورق. الصمت أكرم للمرء. فدعِ الأرقام تُقرّع وتهجو، قل، ولو بشيء من المبالغة، إن الشرائح المعنية تشكّل مئة مليون. دعك من الاعتراض، فسوف ترى أن المأساة لن تكون أهون، لو اقتصر الرقم على خمسين مليوناً. تخيل أن كل واحد يلقي في مكبّات الوقت ستّ ساعات يومياً، سيكون المجموع ستمئة مليون ساعة يومياً، أي 219 مليار ساعة في العام. في عقد يكون العرب قد أهدروا تريليوني ساعة عمل. أرأيت كيف أن المصيبة لا تقلّ هولاً، لو تحدثنا عن تريليون ساعة فقط؟
هنا يتدخل الخيال والأفكار: ما هذه التنميات المتعثرة التي لديها عشرات الملايين من البطاريات البشرية، ولا تستطيع أن تفعل بها شيئاً؟ قحط خيال وأفكار إلى هذا الحد؟ في عصر المعلوماتية والحواسيب والشبكة والذكاء الاصطناعي وإمكانيات العمل من بعيد، تظل الطاقات يُفرغ شحناتها الجمود والخمود، وكأنها أوراق خريف في انتظار إعادة التدوير. حتى كطاقة عضلية، تصور أن يزرع كل واحد شجرةً في السنة.
معاذ الله أن يكون في هذا غمز من قناة الجامعة العربية، وحاشا أن يكون المضمر المقدّر المستتر قول القائل: «كالعيس في البيداء يقتلها الظمَا.. والماء فوق ظهورها محمولُ». كأن جلال الدين استلهم من شاعرنا: «الماء في الكوز ونحن نهيم ظامئين.. الحبيب في الدار، ونحن في الأرجاء عنه باحثون». لا أحد يجرؤ على معاتبة المنظمة، فليس ثمة شيء أيسر من التنصل من المسؤولية. هي جامعة الدول، لا الشعوب. ثم إن القاعدة لا تزال سارية المفعول: اتفق العرب على ما هو صحيح متفق عليه.
لزوم ما يلزم النتيجة اليقينيّة: لو كان العرب القدامى مثل العرب اليوم، لكانت للتاريخ مسارات مختلفة تماماً.
