كان يُنظر إلى القرصنة الصومالية طوال السنوات الماضية بوصفها تهديداً بحرياً تراجع إلى حد كبير، بعدما بلغت ذروتها في سنوات سابقة ثم انحسر نشاطها بفعل تغير البيئة الأمنية وتشديد إجراءات حماية الملاحة. لكن اختطاف ناقلة المنتجات النفطية (Sibu 1 )قبالة اليمن واقتيادها باتجاه ساحل بونتلاند يعيد هذا الملف إلى الواجهة في توقيت تبدو فيه الممرات البحرية المحيطة بالمنطقة أكثر اضطراباً من أي وقت مضى، ووفقاً لما أوردته «أسوشيتد برس»، فإن الحادثة تمثل سادس سفينة تجارية تتعرض للاختطاف منذ إبريل (نيسان)في خليج عدن وغرب المحيط الهندي. ولا تكمن أهمية الرقم في عدد السفن وحده، وإنما في أنه يشير إلى أن القرصنة لم تعد حادثة استثنائية يمكن التعامل معها باعتبارها من بقايا مرحلة انتهت، بل نشاط يختبر مجدداً قدرته على العودة والاستفادة من التحولات الجارية في البيئة البحرية،
والأهم أن القراصنة الصوماليين لم يعودوا مقيدين بالعمل بالقرب من الساحل. فاستخدام السفن المختطفة كسفن يوسع نطاق تحركهم، ويمنحهم قدرة على الوصول إلى مسافات أبعد داخل خليج عدن وبحر العرب وغرب المحيط الهندي. وهذه القدرة تغير طبيعة الخطر؛ لأن المسألة لم تعد مرتبطة بشريط ساحلي محدود، وإنما بمساحات بحرية تمر عبرها خطوط حيوية للتجارة والطاقة بين آسيا والخليج وأوروبا. وقد أثبتت التجارب السابقة أن هذا الأسلوب كان العامل الحاسم في توسع القرصنة الصومالية خلال ذروتها، إذ سمح للقراصنة بملاحقة أهدافهم في أعالي البحار المفتوحة.
لكن عودة القرصنة تصبح أكثر دلالة عندما توضع داخل المشهد البحري الأوسع. فالمنطقة تواجه اليوم طبقات مختلفة من التهديد على الطريق البحري نفسه. في البحر الأحمر هناك تهديدات مرتبطة بالميليشيات والصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف السفن لأهداف سياسية وعسكرية. وفي خليج عدن يعود نموذج مختلف تماماً، قائم على القرصنة الجنائية والخطف وطلب الفدية. وفي الاتجاه الآخر، يبقى مضيق هرمز مرتبطاً بمواجهة استراتيجية أوسع تتداخل فيها حسابات القوى الإقليمية والدولية وأمن الطاقة. وبين هذه النقاط الثلاث تتحرك يومياً آلاف السفن التي لا تملك ترف اختيار طريق آخر.
وهنا تكمن خصوصية المرحلة الحالية. فالخطر لم يعد صادراً عن خصم واحد أو من طبيعة واحدة. السفينة التي تعبر المنطقة قد تنتقل خلال رحلة واحدة بين بيئات تهديد تختلف جذرياً في دوافعها وأدواتها وأهدافها. قد تواجه في منطقة تهديداً عسكرياً ذا دوافع سياسية، ثم تنتقل إلى منطقة يكون الخطر فيها عصابات قرصنة تبحث عن عائد مالي، قبل أن تدخل مجالاً بحرياً تحكمه حسابات الردع بين دول وقوى كبرى.
هذا التعدد يجعل البيئة البحرية أكثر تعقيداً من وجود تهديد واحد يمكن فهم سلوكه أو توقع مساراته وفق منطق ثابت. كما أن أهمية عودة القرصنة ترتبط بتوقيت حدوثها. فقد دفعت الاضطرابات في البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة بعض شركات الشحن إلى إعادة النظر في مساراتها واللجوء إلى طرق أطول بعيداً عن مناطق التوتر. لكن اتساع النشاط غير المشروع في غرب المحيط الهندي وخليج عدن يعني أن فكرة «الممر البديل الآمن» نفسها أصبحت أكثر نسبية.
فالطرق البحرية لا تعمل بصورة منفصلة. البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب ومضيق هرمز تشكل جميعها شبكة جغرافية واحدة تتداخل فيها التجارة والطاقة وحركة الموانئ وسلاسل الإمداد. وأي ارتفاع مستمر في المخاطر عبر أكثر من نقطة في هذه الشبكة ينعكس على حسابات شركات الملاحة والتأمين وتكاليف النقل وزمن الرحلات. وقد ظهر ذلك بوضوح في ارتفاع أقساط التأمين البحري على السفن العابرة لهذه المناطق، وفي لجوء بعض الشركات إلى خدمات الحماية الخاصة، وهي تكاليف تنتقل في نهاية المطاف إلى المستهلك في صورة أسعار أعلى للسلع والطاقة. وبالنسبة إلى دول الخليج، لا يمثل ذلك خطراً بعيداً عن محيطها المباشر.
فاقتصادات المنطقة مرتبطة بدرجة كبيرة بحرية الملاحة واستقرار الممرات المؤدية إلى موانئها وأسواقها. وكلما تعددت بؤر الاضطراب في هذه الممرات، اتسعت دائرة المخاطر الاقتصادية والأمنية المرتبطة بها. كما أن أمن الملاحة يمس مكانتها المتنامية كمراكز عالمية للتجارة واللوجستيات وإعادة التصدير. لا تعني حادثة (Sibu1 ) أن القرصنة الصومالية عادت إلى المستويات التي عرفها العالم في ذروة نشاطها، ومن المبكر الوصول إلى مثل هذا الاستنتاج. لكنها تكشف تحولاً آخر أكثر أهمية: أن البيئة البحرية المحيطة بالمنطقة لم تعد تواجه أزمة واحدة، بل مجموعة أزمات متجاورة تتقاطع جغرافياً رغم اختلاف دوافعها.
ومن هنا، فإن عودة القرصنة ليست مجرد إضافة رقم جديد إلى سجل الحوادث البحرية، بل مؤشر على مشهد تتراكم فيه المخاطر فوق بعضها بعضاً. فالتهديد الحقيقي اليوم ليس في قوة أحد هذه الأخطار منفرداً، وإنما في اجتماعها على الممر البحري نفسه.
* دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر
