لا تُقاس الحروب المعاصرة فقط بهدير الدبابات، ولا بدويّ الصواريخ في ساحات المعارك، ثمة حروب أخرى لا تُرى بالعين المجردة، تُدار داخل أروقة المكاتب، إذ يُستخدم فيها المال كسلاح فتاك.
من هذا المنطلق بدأت الولايات المتحدة في شن معركة «النزيف الهادئ» ضد الاقتصاد الإيراني، حربٌ بلا جبهات معلنة، لكنها أشد ضراوة، وأطول أثراً من الصدامات العسكرية التقليدية.
وقد حدد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ساعة الصفر، الاثنين، لإطلاق ما وصفه بأضخم هجوم مالي على طهران.
وأعلن في مقال بصحيفة «فايناشيال» تايمز أن الهجوم بهدف قطع جميع مصادر الإيرادات التي تدعم النظام الإيراني، مؤكداً أن الإجراءات تسعى لإنهاء المسارات الاقتصادية أمام الدول التي تربط مصالحها بإيران.
ورغم ذلك، لم يغفل وزير الخزانة الأمريكي السياق العسكري، مشدداً على أن أي محاولة للاعتداء من جانب إيران ستقابل برد مباشر وحاسم.
ومن ثم، كشفت واشنطن عن استراتيجيتها في خنق الموارد الإيرانية من خلال حصار اقتصادي مُحكم، يُجفف شريان الحياة المالي.
وفي هذا الصدد لم تعد العقوبات مجرد إجراءات وقائية أو أدوات ضغط، بل استحالت هندسة معقدة لشلل شامل، يستهدف النفط والقطاع الاقتصادي بأكمله، والهدف هنا واضح، وهو جعل كلفة البقاء السياسي والسيادي داخل النظام الإيراني أعلى بكثير من قدرته على الاحتمال.
حيال ذلك، تتكشف المعضلة الحقيقية لدى النظام الإيراني من خلال المعاناة من الانقسامات، قبل أن يئن تحت وطأة الضغط الاقتصادي، إذ لم يعد لدى طهران حاكم واحد، لا منازع له على قمة السلطة.
وهو ما قد يفسر تصلب موقفها، في وقت تدرس فيه استئناف المحادثات مع واشنطن والعودة إلى المفاوضات من خلال وساطة باكستانية.
ولا شك في أنه رغم ذلك النزاع على الحكم داخل النظام الإيراني إلا أن أيديولوجية الحرس الثوري، تشكل في الواقع الاستراتيجية الرئيسية، إذ تبقى عملية صنع القرار حكراً عليهم، ولا يملك أي طرف داخل النظام القوة أو النطاق لمقاومة ما يراه الحرس الثوري، حتى لو أراد ذلك.
هنا تتجلى الفجوة في القطيعة الهيكلية بين السلطة والمجتمع، فبينما يصر النظام على توجيه الموارد المتاحة لنفوذه الإقليمي ومشاريعه الاستراتيجية، يجد الشارع نفسه أمام انكماش اقتصادي متواصل، ما أدى إلى تآكل الطبقة الوسطى وتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية. هذا التباين الحاد في الأولويات يضع الداخل الإيراني في حالة احتقان دائم، يُغذيها الشعور بأن الكلفة التنموية باتت تتدفق بالكامل، لصالح الأيديولوجيا على حساب التنمية.
إن المخرج الوحيد من هذه الدوامة، يتطلب مراجعة من النظام الإيراني لحسابات الأولويات وتغليب المصلحة المباشرة للشعب، من خلال العمل على إرساء السلام أولاً ، وعدم الدخول في صراعات إقليمية، وبعد ذلك العمل نحو التنمية عبر انفتاح سياسي واقتصادي حقيقي، فالحصانة الحقيقية لأي دولة تبدأ من داخلها، لا من خارج حدودها.
Mohmed [email protected]
