هل يجب أن يَغضّ المرء الطرْف، إذا لم يكن قد بلغ ابن خلدون، ولا أرنولد توينبي، فلا يسأل عن أسباب انجراف الحضارة الغربية إلى مهاوي أضدادها؟ لو انحصر ما يحدث في حدث مفرد، لهان الأمر. المشهد بانوراما كوارث. عيون العالم مفزوعة مهلوعة أمام الزلازل والتسوناميات وسيول الحمم. كلّها حضاريّة. المسألة ليست هيّنة، لأن القضية لعب جولف بالشعوب. اللاعب مستمتع وتطيير الكرات لا حسيب عليه ولا رقيب. التراجيكوميديا فاقعة، فما لها من رادعة، لأن ذلك الهباء المتناثر كائنات بيولوجية عاقلة، لها أيام وأحلام. عقبة الفهم هي أن كل ذلك يجري تحت مُدّعى الحضارة. كيف تقنع ثكالى العرب وأيتامهم بأن الحضارة ليست أسلحة دمار شامل، بل أخطر لأنها تملك أكبر وأحدث غسالات الأدمغة.
في سالف العصر والأوان، كانت الخريطة العربية ومن عليها ينتمون إلى أمّة محيطيّة أقيانوسيّة، ثم: «والنفس راغبةٌ إذا رغّبتها.. وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تقنعُ»، صرنا أمّةً لها خصوصيّة عربيّة، لكن لأنّ خواجات المجتمع الدولي يقف شعر رؤوسهم عند سماع كلمة أمّة، نفشوا ريشنا بعبارة العالم العربي، بلع القوم الطعم بحيلة أن العالم أكبر من الأمّة. العالم يعني قطعاً مختلفةً، فسيفساء. ثم جاءت كرزة الكعكة الجيوسياسية، صار التركيز على الشرق الأوسط، ضاعت كرة العرب في ملاعب الهويات الشرق أوسطية. اصطلاحياً، لم يعد المغرب العربي ضمن خريطة الشرق الأوسط، بينما أفغانستان وإيران وتركيا، حاضرة في نسخته المتمططة. أمّا إسرائيل فحدودها لا حدود لها، طبقاً لتفسير رؤية السفير الأمريكي هاكابي. الأحرى أنه ليس تفسير رؤية، بل تعبير رؤيا.
يستطيع الناقد الحصيف الحكم على كل هذا الكلام بأنه ثرثرة خارج الموضوع، الذي هو: الحضارات ليست جمع تكسير. كل قرون الفلسفة والعلوم والموسيقى السيمفونية وفنون التشكيل وما أثمرته من قيم، باتت مهملات أعيد تدويرها لإعادة تشكيل الخرائط في مناطق منتقاة، وتريد «الحضارة» أن تَشعر الشعوب بالدعة والسكينة. لم تعد الهيمنة العالمية تحافظ على سلامة العلاقات حتى مع حلفائها، الذين تشيد بالتعاون الاستراتيجي معهم.
لزوم ما يلزم: النتيجة الكاريكاتورية: نكتة، إن البنك يعطيك مطريةً والسماء صاحية، ويأخذها منك عندما يكون المطر كأفواه القرب.
