الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الانتخابات الإسرائيلية.. وحساباتها المعقدة

26 أغسطس 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 26 أغسطس 00:05 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لا يمكن التعامل مع الانتخابات الإسرائيلية القادمة بوصفها دورة انتخابية عادية تتكرر كل بضع سنوات. هي محطة مفصلية تحمل في طياتها تأثيرات مباشرة على ملفات إقليمية شديدة الحساسية، تمتد من إيران إلى لبنان وغزة وسوريا. فأي حكومة تتشكل في تل أبيب سترسم ملامح السياسة الإسرائيلية تجاه هذه الساحات، سواء باتجاه التصعيد أو التهدئة. لكن فهم ما سيحدث فعلياً لا يتوقف عند عدد المقاعد التي سيحصل عليها كل معسكر، بل عند القدرة الحقيقية على تشكيل ائتلاف حكومي قادر على الحكم. وهنا تكمن المفارقة التي قد تجعل بنيامين نتنياهو يخسر وينتصر في الوقت نفسه.
قد يخسر نتنياهو معركة الصناديق، فيتراجع حزب الليكود أو الكتلة اليمينية التي يقودها عن الصدارة أو يفشل في الحصول على أغلبية مريحة. غير أن هذه الخسارة العددية لا تعني بالضرورة خروجه من دائرة التأثير. فإذا فشلت المعارضة في تشكيل حكومة أغلبية أو حتى حكومة أقلية مهمتها إزاحة نتنياهو، فإن هذا الأخير سيستمر كقائم بأعمال رئيس الوزراء حتى يتمكن طرف آخر من تشكيل حكومة جديدة، أو حتى تعود إسرائيل إلى انتخابات جديدة. وفي هذه الحالة يبقى نتنياهو لاعباً مركزياً يمارس صلاحيات رئيس الحكومة مؤقتاً، ويحتفظ بقدرته على تعطيل أي تسوية داخلية، محافظاً على موقعه كرقم صعب في المعادلة السياسية. تعاني المعارضة الإسرائيلية انقسامات داخلية عميقة تجعل مهمة تشكيل حكومة بديلة أكثر تعقيداً مما تبدو. فالخلافات على القيادة بين الشخصيات البارزة في المعسكر المناهض لنتنياهو، وتبايـــن الرؤى حول طبيعة الائتلاف المطلوب، تحول دون بناء جبهة متماسكة. ويضاف إلى ذلك معضلة الأحزاب العربية، التي يمثل دعمها أو مشاركتها عقبة سياسية ونفسية لكثير من الأحزاب الصهيونية رغم انفتاح حزب القائمة العربية الموحدة على ضم شخصيات يهودية لقائمة الحزب. فأي ائتلاف يعتمد على أصوات عربية يواجه اتهامات داخلية بالضعف أو بـ«الاعتماد على من هم خارج الإجماع»، ما يمنح نتنياهو ورقة ضغط إضافية يستخدمها بمهارة. وهنالك أيضاً احتمالية كبيرة لتمكن أحزاب صغيرة مثل حزب جنود الاحتياط من الفوز بعدد من المقاعد في الكنيست، وهذه الأحزاب لم تحسم موقفها بعد.. مع أي الكتلتين تذهب.. فهي أحزاب لديها مطالب محددة ولا يهمها من يكون في مقعد القيادة.
في المقابل، يصعّد نتنياهو من خطابه اليميني ويشدد مواقفه في الملفات الإقليمية لتعزيز صورته كقائد أمني لا غنى عنه. فهو يربط بين بقائه في السلطة وبين قدرة إسرائيل على مواجهة التهديدات الإيرانية، والتعامل مع حزب الله في لبنان، وإدارة الوضع في غزة، ومتابعة التطورات في سوريا. هذا الخطاب لا يستهدف فقط قاعدته الانتخابية التقليدية، بل يسعى أيضاً إلى استقطاب أصوات مترددة تخشى أي تراجع في النهج الأمني المتشدد. وبهذا يحّول نتنياهو أي محاولة لتغيير الحكم إلى مخاطرة أمنية في نظر قطاع واسع من الناخبين.
لكن هذا لا يعني أن نتنياهو يمضي للانتخابات بكتلة متماسكة، فحتى معسكر الحريديم، المؤيد لنتنياهو تقليدياً، بدت تظهر لديه بعض التشققات، ما يصعّب مهمته في الحفاظ على تماسك كتلته.
إذا استمر الجمود السياسي بعد الانتخابات، فإن فرص التهدئة والتسويات التي يترقبها الإقليم قد تتأجل مجدداً. فالمنطقة تحتاج إلى حكومة إسرائيلية مستقرة قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية، سواء في ملفات السلام أو في إدارة الصراعات المفتوحة. لكن استمرار نتنياهو كقائم بأعمال رئيس الوزراء يبقي الأوضاع على حالها، ويمنح الأطراف المتشددة في الجانبين مساحة أكبر للمناورة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن على كل مراقب خفض مستوى التفاؤل بإمكانية إحراز تقدم حقيقي في مسار السلام مع الفلسطينيين، فحتى أيزنكوت، القطب الأبرز في معسكر المعارضة اليوم تعهد بعدم السماح بإقامة دولة فلسطينية.
إذاً، متابعة هذه الانتخابات لا تعني مراقبة من يفوز بالعدد الأكبر من المقاعد فقط، بل من يستطيع الحكم فعلياً، ومن يمتلك القدرة على منع خصمه من الوصول إلى السلطة.
في النهاية، قد يكون تعطيل الخصم عن تشكيل الحكومة شكلاً من أشكال الانتصار، وربما الأكثر تأثيراً في السياسة الإسرائيلية المعاصرة. فنتنياهو يدرك أن الاستمرار كقائم بأعمال رئيس الوزراء، حتى لو مؤقتاً، أفضل من الخروج الكامل من اللعبة. والانتخابات القادمة ستختبر هذه المعادلة بدقة: هل تنجح المعارضة في تجاوز انقساماتها وتشكيل ائتلاف حقيقي، أم ينجح نتنياهو مرة أخرى في تحويل خسارته المحتملة إلى انتصار بالتعطيل؟ الإجابة لن تأتي من صناديق الاقتراع وحدها، بل من القدرة على بناء الأغلبية القادرة على الحكم.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة