هل ثمة علاقة بين التقدم المادي والتقدم الأخلاقي؟. تظل الإجابة إشكالية تماماً. فهناك تيار فكري يرى أن الأخلاق لا تتأثر بالتقدم المادي ولا بالتغيرات الجارية في نمط الحياة، استناداً إلى فهم فلسفي يقول بأن الطبيعة الإنسانية ثابتة جوهرياً. غير أن تلك الرؤية تبدو محافظة إلى حد كبير، وليس لها أنصار كُثر، فالإنسان يتأثر في خصائصه وسلوكه بما يجرى حوله، وهي تأثيرات تتراكم عبر الأجيال، يكفي أن تتمركز في نظام التربية والتعليم والتثقيف السائد، الذي يتمتع بدرجة من الانتشار العالمي، كي تخلق مزاجاً إنسانياً جديداً، دونما انتظار طفرات جينية تقنن الميول والسلوكيات الجديدة بيولوجياً، كما تفترض أو تشترط النظرية الدارونية.
وهناك تيار آخر يرى أن الأخلاق الإنسانية تتخلف بفعل التقدم المادي، فالتطورات العلمية والتكنولوجية، خصوصاً في صناعة السلاح، أفضت إلى حروب فتكت ولا تزال تفتك بأرواح ملايين البشر، وعلى رأسها تأتي الحرب العالمية الثانية التي أراقت دماء ستين مليون إنسان، بينما كانت خسائر أشرس الحروب بين أكبر الإمبراطوريات في العصور الكلاسيكية مجرد آلاف أو عشرات الآلاف على أقصى تقدير. تلك الرؤية تبدو متشائمة كثيراً، ففي مقابل من أُزهقت أرواحهم بفعل تكنولوجيا السلاح، ثمة من أُنقذت حياتهم بفعل تكنولوجيا العلاج الجديدة، فاختراع واحد كالبنسلين أنقذ حياة الملايين من البشر، فما بالك بما يجرى من اكتشاف من مستحضرات طبية لأمراض جدّ مستعصية أو مستجدة يومياً، وهو الأمر الذي زاد من مستوى الصحة العامة، ورفع متوسط العمر المتوقع في أغلب بلدان العالم وإن بأقدار متفاوتة.
أما التيار الثالث فيرى أن الأخلاق الإنسانية تتقدم نحو الأفضل، مستدلاً على ذلك بنمو المثل الإنسانية الجديدة «العقلانية والتحررية»، واستقرار المنظومات الحقوقية وعلى رأسها الإعلان العالمي، ثم العهد الدولي لحقوق الإنسان، وجميعها تُعلي من وضع الفرد وتصون حقوقه الأساسية في الحياة والحرية، لمجرد كونه إنساناً، حتى لو جرى تطبيق ذلك على نحو انتقائي. غير أن ذلك الفهم يقوم على خلط واضح بين نمط الحياة، ومفهوم الأخلاق. نعم تتغير أنماط الحياة في اتجاهات أكثر رقياً، ويصير الإنسان أكثر معرفة وتدريباً في كل حقبة قياساً إلى ما سبقها، ويحوز في العموم مستويات عيش وضمانات قانونية تفوق آباءه وأجداده. غير أن ثمة فارقاً كبيراً بين تقدم نمط الحياة، وبين تقدم الأخلاق الإنسانية التي تنعكس جوهرياً في سلوكيات كالتعاطف مع الضعفاء والمعوزين، والبر بالصغار جداً والكبار جداً، وغيرها من السلوكيات التي يحتاج إليها الاجتماع البشري في كل مكان وزمان. وعلى هذا يمكن القول بأن تطور أبنية الحضارة «كأنماط عيش» لا يضمن تطور الأخلاق الإنسانية «كقيم عيش»، ولا بلوغ السعادة ك «غايات للعيش». بل إن التنظيم العقلاني الصارم للمؤسسات الحديثة، والنزعة الفردية المطلقة، والاستخدام البراغماتي للوقت، وجميعها متطلبات للتقدم المادي، قد تفضي إلى نوع من التمركز حول الذات، وربما الاغتراب الإنساني، ولعل هذا يفسر لماذا احتفظت أكثر الدول تقدماً بأعلى نسب الانتحار. ورغم أن معدلات العنف الاجتماعي والسياسي تنخفض في تلك الدول المتقدمة، فإن مبررات ذلك تبقى عقلانية، تستهدف أكثر طرائق العيش أمناً، وليس أكثرها فضيلة.
تلك الفجوة بين أنماط الحياة، وقيم الحياة هي منبع معاناة الإنسان الحديث، الذي غادر كهف الإيمان الروحي البسيط واليقين الأخلاقي المصاحب له، إلى فضاء مسكون بالقيم المادية، تحيط به ادعاءات النسبية الأخلاقية كإخطبوط يحيط بفريسته. فعندما يشاهد الناس عالمهم وهو يتغير بإيقاع سريع، يفتقد باطّراد التلاحم والتعاطف، تزوغ أبصارهم، ويشعرون بنوع من التيه وقدر من الضياع. ولعل ذلك الشعور يفسر، ولو جزئياً، جاذبية تنظيم داعش، أبرز نماذج الإرهاب المعولم، لبعض الشباب في المجتمعات الأوروبية، ليس فقط من المهاجرين المسلمين من أصول عربية/ إفريقية/ آسيوية، بل أيضاً من ذوي الأصول الأوروبية المسيحية، ممن ضعفت قدرتهم على التكيف مع منطق الحداثة الفائق، ووقعوا أسرى لأزمة معنى جعلت حياتهم بلا مغزى، ودفعتهم إلى البحث عن خلاص، ولو كان مأساوياً.
وهكذا يتبين لنا عمق الإشكالية التي تمثلها الروحانية الدينية، فمن غير الممكن الحياة من دونها، ومن المستحيل، الحياة بها وحدها. فمع غياب تلك الروحانية تواجهنا نزعات مادية، تفقر الشخصية الإنسانية، وتصيبها بآفات التوحش والقسوة. ومع حضورها الدوغماتيكي الغليظ، نواجه عالماً يزداد تخلفاً، يتحكم فيه الجمود، وترافقه دعاوى احتكار الحقيقة، التي تقصي كل مختلف، وتنزلق إلى مدارات التطرف، التي تحوِّل العالم إلى جهنم أرضية. ومن ثم تتبدّى حاجة الإنسان إلى روحانية معتدلة، تزيد من قوة الضمير الفردي والشعور الجماعي بقدر يفوق ما يضيفه التقدم المادي إلى الجسد الإنساني من قوة وامتداد، فمن دون تلك الروحانية تصير التقنية لهباً حارقاً يشعل فتيل الحروب والصراعات، التي تدفع الإنسان إلى التهام نفسه وتدمير أنبل موروثاته، على ذلك النحو الذي نراه في شتى أرجاء العالم حولنا، خصوصاً في منطقتنا.
