من باب الإقرار بالواقع، وليس التشاؤم، يمكن القول إن الأزمة السودانية استفحلت، خاصة بأيدي طرفيها الرئيسيين، إلى حد يصعّب الحل على من يريدونه، لكنّ الأمر لا يعني ترك الملف كاملاً لسطوة التشاؤم واليأس، أو لإرادة فريق من المتحاربين، خاصة قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان. إن الجرح السوداني بلغ عمقاً لا يمكن أن تبلغه رؤية طرف واحد، خاصة إذا كان موغلاً في المراوغة والتصعيد وصمّ الآذان، منذ بداية الحرب، عن كل مبادرة تتوخى إنهاءها حرصاً على مصلحة الشعب السوداني ووحدة أراضيه قبل إلقائه في جحيم القتل والتشريد داخل خريطته وخارجها.
ومن المهم أيضاً الالتفات إلى أن هذه الأزمة، منذ خرجت عن إطارها الداخلي، أصبحت شأناً عربياً وإقليمياً ودولياً تعددت صيغ التصدي لها، لكن مسارات الحل طالها التنكر، والأَولى منها بالتطبيق، مثل خريطة طريق الرباعية، يرسم اتجاهات واضحة ومحددة للحل كان يمكن للمضي فيها قبل شهور أن يوقف النزف ويوجّه الجهود نحو اشتراك كل القوى السودانية في إعادة صياغة مستقبله اللائق به.
لهذا، ليس غريباً النظر إلى ما اعتبره البرهان دعوة إلى ما وصفه بحوار وطني بمعزل عن مسلك الفكر الذي يمثله في التعامل مع أزمة السودان، بحيث يبقى رهين إرادة طرف ثبت بالتجربة أن مشروعه الخاص منقطع الصلة بمصلحة أي شعب عربي، وأنه يتلوّن للبقاء ممسكاً بمفاصل الوطن مبدداً ثرواته كلها في خدمة جماعة منه لا تؤمن بحدوده ولا سيادته ولا قداسة بشره وترابه.
ومن الطبيعي أن يكون الرد على مناورة البرهان الأحدث هو رفضها من جانب الطيف الواسع الممثل للقوى المدنية السودانية الرافضة للحرب. وما انتهت إليه مداولات هذه القوى في أديس أبابا قبل أيام يعكس اليقين بأن خرق السودان اتسع بشكل يجعل مهمة رتقه عصيّة على أي جهد منفرد، خاصة إذا كان صاحبه يحمل السلاح في وجه وطنه، ويكشف أن ما وصفه البرهان بدعوة للحوار الوطني مغلف بسوء نية، إن لم يكن يبقي الأزمة في مكانها، فإنه يتوهم أنه يمكن ابتداع حل مستجيب لشروطه فقط، والأخطر أنه ممعن في تكريس فكرة تفتيت السودان جغرافياً، والإصرار على الحل العسكري، ما يباعد بينه وبين أي اتفاق على وحدته وطبيعة مستقبله.
إن السودان لا يعدم العقول الوطنية التي يمكنها أن ترسم مستقبله وتنهض ببنائه، غير أن سيطرة المؤمنين بالحرب تحول بينها وبين أي دور فاعل، وتصرّ على حسم الأزمة بالسلاح، وهو ما أكدت كل الجهود العربية والإقليمية والدولية عبثية الرهان عليه. وفي تصورها الوافي للبدء في لملمة الجرح، تنطلق اللجنة الرباعية الدولية المعنية بالسودان من ضرورة وقف إطلاق النار والعودة إلى تمكين المدنيين من القرار بالتوازي مع فتح ممرات إنسانية توقف نزف الدم وتغيث الجوعى والمشردين، والأهم إبعاد من يغنم من الحرب استمراراً لمشروعه التخريبي البعيد عن أي فكرة وطنية.
