تبجّح وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف، إيتمار بن غفير، بتدمير مجمع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في القدس الشرقية المحتلة، مدعياً أن هذه الخطوة «تصنع التاريخ»، وأن موظفي الوكالة «ضالعون في الإرهاب»، ولا مكان لهم في القدس، وهي الرواية التي يسوّقها التطرف الإسرائيلي، ويفرضها ميدانياً، عبر هدم وإخلاء منشآت الوكالة الأممية التي يفترض أنها تحظى بحصانة، قانونية وإنسانية.
ما فعلته جرافات الاحتلال من جريمة بحق «الأونروا» في مخيم قلنديا خط أحمر إضافي تتخطاه إسرائيل، في ظل غياب ردع حقيقي من المجتمع الدولي الذي يكتفي ببيانات الإدانة والتحذير، عاجزاً عن وقف مسار كامل لتقويض الوجود الأممي، وانتهاك حقوق اللاجئين، ومحو القضية الفلسطينية، وتصفية مقومات وجودها، التاريخية والجغرافية والقانونية، عبر مواصلة سياسة هدم المنشآت والمعالم، وتهجير السكان الأصليين، وتزوير الحقائق، وإعادة هندسة الخرائط الديموغرافية في الضفة المحتلة بتوسيع الوحدات الاستيطانية، وآخرها قرار الحكومة الإسرائيلية نشر مناقصات بناء جديدة لوحدات استيطانية ضمن مشروع «إي 1»، الرامي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها بالكامل، وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.
مجلس الأمن الذي تطالبه البيانات الدولية بالتدخل العاجل لردع السلوك الإسرائيلي، يجتمع كل شهر لبحث «الحالة في الشرق الأوسط»، ويستمع إلى ذات المواقف المكررة، سواء المطالبة بإجراءات عملية لحماية الحق الفلسطيني، أو تلك المتجاهلة والمتعامية تماماً عن واقع الاحتلال الذي انتهك كل شيء، ولم يجد أي حزم من المجتمع الدولي الذي يحاول إدارة عجزه عن اتخاذ الإجراءات المطلوبة لإلزام أي طرف مارق باحترام القانون والمعاهدات، كما تفرض ذلك المواثيق الأممية.
صحيح أن القضية الفلسطينية قد عادت إلى الواجهة بعد حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، ولا تزال مستمرة، لكن الاستراتيجية الإسرائيلية الممنهجة تسابق الزمن لتفريغ هذا الزخم الدبلوماسي من مضمونه، عبر تدمير الركائز، الميدانية والقانونية، للقضية الفلسطينية، ومثلما تعمل حكومة الاحتلال على تحويل غزة إلى مكان غير قابل للحياة، تتعمد نسف الضفة الغربية بمصادرة الأراضي والممتلكات لمصلحة التوسع الاستيطاني، وقطع التواصل الجغرافي تماماً، وتحويل المدن والبلدات إلى معازل وكانتونات لا بقاء لها خارج سلطة الاحتلال وأجهزته. وما يحدث في القطاع يكمل ما تشهده الضفة باتجاه خلق واقع جديد لرسم خريطة شطب القضية الفلسطينية بالكامل.
قبل أيام قليلة، أطلق أكثر من 100 من الدبلوماسيين الفرنسيين والبريطانيين السابقين «صيحة فزع»، حذّروا فيها من أن «فلسطين تُمحى أمام أعيننا»، نتيجة السياسات الإسرائيلية الممنهجة، وطالبوا حكومتيهما بفرض عقوبات، تجارية وعسكرية، حازمة لردع الاحتلال، وحماية ما تبقى من حلّ الدولتين. وعلى الرغم مما في هذا الموقف من شجاعة ونبل، إلا أنه يعكس في الوقت ذاته الفجوة العميقة بين «ضمير المتقاعدين»، وعقم «السياسة الرسمية» للدول الفاعلة. وقد عانت القضية الفلسطينية طوال عقود من مثل هذه الازدواجية، بين ما يمليه الضمير، وما يعجز عنه الواجب، ما قاد إلى هذا التغوّل الإسرائيلي، ليس على كل ما هو فلسطيني فحسب، بل على كل أسس الشرعية الدولية.
