للإعلام، كما للأوطان والقلوب، قِبلةٌ تهفو إليها الخطى، وبوصلة يعود إليها حين تكثر الطرق وتتشابه الاتجاهات. ومنذ خمسة وعشرين عاماً، كانت دبي واحدة من تلك العلامات التي لا تخطئها عين المهنة، ولا يضل إليها من حمل على كتفه كاميرا، أو بين يديه قلماً، أو في صوته حكاية.
في دبي، للقاءاتنا طوال العام مواعيد كثيرة؛ تجمعنا المؤتمرات، وتقربنا الفعاليات، وتجمعنا أروقة الأحداث. لكننا نعرف أن ثمة لقاء لا تشبهه كل تلك اللقاءات؛ لقاء تتسع فيه الدائرة من إعلاميي الدولة إلى إعلاميي الوطن العربي، فنلتقي لا باعتبارنا زملاء فحسب، بل باعتبارنا أبناء مهنة واحدة، حمل كل منا رسالتها من جهة، وجاء بها إلى دبي.
المنتدى الإعلامي العربي، ذلك الموعد الذي لا يجمعنا تحت سقف واحد فحسب، بل يعيد جمع المهنة بأبنائها. ثلاثة أيام نغادر فيها، ولو مؤقتاً، صخب الأخبار إلى صخب آخر أكثر حميمية؛ صخب الأسئلة، والحوارات، والاختلافات التي تجعل من الإعلام مهنة حية لا تعرف السكون.
نشتاق إلى المنتدى، لأننا نشتاق إلى أنفسنا معه وبه. اشتقنا إلى وجوه نعرفها، وأخرى نكتشفها، وإلى أصوات تحمل من بيروت والقاهرة والرياض والرباط وتونس وبغداد وغيرها، حكايات مختلفة، نشتاق إلى زميل يأتي حاملاً معه حكاية غرفة أخبار، وإلى صوت عرفناه من خلف الشاشة فصار قريباً حين جلس إلى جوارنا، وإلى تلك اللحظة التي ندرك فيها أن ما يجمعنا أكبر من المؤسسات التي نعمل فيها، وأوسع من الحدود التي تفصل بين مدننا.
فالمنتدى ليس ثلاثة أيام في التقويم، ولا منصة تتعاقب عليها الجلسات. إنه الأيام التي تستعيد فيها المهنة صوتها الجماعي. طوال العام نحن المرسِل؛ نكتب، ونحاور، وننقل، ونفسر، ونقف بين الحدث والجمهور. ثم تأتي هذه الأيام الثلاثة، فنصبح نحن المرسَل إليهم؛ نستمع، ونسأل، ونتأمل ما الذي فعلته بنا سنة أخرى من التحولات.
وهنا تكمن روعة المنتدى؛ أنه لا يجمع الإعلاميين تحت سقف واحد فحسب، بل يجمع البيئة الإعلامية العربية نفسها؛ أفكارها وأسئلتها وقلقها وأحلامها، ويمنحها فرصة نادرة لأن تنظر إلى مرآتها.
نأتي إلى دبي، إذن، لا لنحضر المنتدى فقط، بل لنلتقي بأنفسنا.
نأتي وقد أثقلتنا أسئلة المهنة، ونغادر وفي القلب شيء من اليقين: أن الإعلام، مهما تغيرت أدواته، سيظل بحاجة إلى إنسان يرى، وصوت يقول، وضمير يعرف لماذا يقول.
لذلك، يا زملاء المهنة في كل مكان، اشتقنا إليكم.
اشتقنا إلى أن تفتح دبي أبوابها، فنلتقي.
فبعض المدن تستضيف المؤتمرات، أما دبي، فمنذ ربع قرن، تستضيف المهنة نفسها.
