كان أهلي الفلاحون يسمونها زندة النيل.. إذ كان الفيضان يأتي في أوج قيظ الصيف، وتيار الماء الملون بالأحمر القاني يتدفق، بحيث يسمع صوت تدفقه الهائل.
وفي ذلك الوقت، ومن شدة القيظ، تلتهب جلود أجساد الصغار وتنتشر عليها حبيبات حمراء كانوا يسمونها «حمو النيل».
وقد بحثت في المعجم عن «الزندة» هل هي فصيحة، فوجدت أنها هي العود الأسفل الذي يقدح به لتشتعل النار.. والفعل «زند»، يقال في الفصحى «زند الإناء» أي ملأه بالماء حتى فاض، ويقال «زند النار» أي أشعلها.
ولعبارة «زندة النيل» عدة معانٍ، أحدها هو «الامتلاء الشديد»، وثانيها هو «التوهج والاحمرار»، والثالث هو شدة الحرارة والرطوبة.
وكان الفيضان قبل بناء السد العالي يأتي معه من الجنوب المراكب النيلية الضخمة «الصنادل»، وعليها حمولة هائلة من منتجات الفخار التي منها القلل القناوي، جمع قلة، والأزيار جمع زير، وتسمى أيضاً الخوابي جمع خابية، ومنها الزلع جمع زلعة، وتسمى أيضاً البلاليص جمع بلاص، وكلها آنية لتخزين ونقل مياه الشرب.
وكانوا يعمدون لوضع نوى المشمش، أو قطع الشبّة، في الخوابي لكي تتم تنقية المياه من الطمي العالق بها، وكانوا يضعون القلل أسفل الخابية التي تنزل نقط الماء النقي المكرر من مسامها لتملأ القلة.. ودوماً عند صنع الشاي ما يتم التنبيه «اعملوه من مياه نَقْط»!
وكانت المراكب تحمل أيضاً آنية أخرى كالمواجير جمع ماجور، وهو وعاء فخاري عميق وواسع لعجن العجين، وكالطواجين جمع طاجن وتسمى أيضاً «المتارد» جمع «مَتْرِد».
وكان المراكبية يرصون البضاعة بإحكام فوق بعضها إلى أن يبلغ ارتفاعها أكثر من عشرة أمتار، ويجعلون فيها ممراً صاعداً لنزول وصعود الحمار الذي سيحمل البضاعة عند الرسو ليطاف بها في القرى القريبة من النهر.
ولم تكن المستشفيات أو المستوصفات منتشرة، لذلك كان يتم علاج بثور ودمامل «حمو النيل» بمسحها بقشر البطيخ بعد أكل الجزء الأحمر منه.. وبعد المسح لا يرمي القشر بل يقطع قطعاً صغيرة لأكل الطيور.
وفي المقابل كان يأتينا من الشمال- أي بحري- مراكب متوسطة آتية من رشيد وبلطيم وإدكو، تمضي عكس التيار، ولكن يساعدها ريح الشمال، تحمل السمك المملح «الفسيخ والسردين»، وقواقع أم الخلول، والملح الرشيدي الخشن، والبلح الرامخ أي الذي صار رطباً وهو على النخل، ويتم البيع بالمبادلة.
وهذا حديث آخر.
