هل يجوز لعاقل السؤال عن أسباب تواري الفنون الساخرة، عن الخريطة من الماء إلى الماء؟ حين يكون السؤال قطرةً، والجواب بحراً، فالأفضل اللجوء إلى ترك حبل المسؤولية على غارب الطبيعة، من قبيل أن علل اختفاء تلك الفنون، وجود قوة قالت لها: يا سماء الدعابة والسخرية والنقد، أقلعي، فإذا المسارح والشاشات والأغاني اللاذعة، غيلان وعنقاوات، فإن ظَلّ منها ظِلّ تقليد ومحاكاة، فتهريج وقفشات وفرفشات.
النصف الأوّل من القرن العشرين، شهد انفجاراً عظيماً في ثراء الفنون الكوميدية. ما حدث بعد ذلك، هوّنْ عليكَ مصابَه الجلل، بأن أعيناً زلقت أولئك الروّاد، وألسنةً سلقتهم، لهذا انتشر السلق. الازدهار الذي عرفته الصحافة الساخرة في مصر وسوريا ولبنان وتونس، على سبيل المثال لا العصر، جعل تلك المطبوعات ترتقي بالكتابة الساخرة، إلى مستوى الأدب الساخر. وكان الكثير من أقلام أسر التحرير شعراء ساخرين.
الأغنية الساخرة مصيرها مأساة مثلّثة: غابت الكلمات النابهة النابسة بآمال الآلام، واختفت الموسيقى وخفقاتها اللاذعة، وأقفرت الساحة من الحناجر التي تغني عن الخناجر. كانت ألوان الأداء بانوراما تُراوح بين التركيز على الأداء الكوميدي وإيصال المضمون، من دون اكتراث للمساحة الصوتية وجودة التلحين والتلوين المقامي، مثل أعمال الشيخ إمام المصري، وصالح الخميسي التونسي، وبين النوع القليل عدداً، الذي يجمع المجد من أطرافه، كلمات بيرم التونسي، وألحان زكريا أحمد وغناء صالح عبدالحي، في أغنية: «قدّر ده وده». بيرم وزكريا وأم كلثوم، يعني «هو صحيح الهوى غلّاب؟» ذهبت ريح ذلك الفن الرفيع، وتبخّرت الطقطوقة، لهذا الفن «طق».
هل ثمّة بحوث تحقيقية استقصائية، لتحليل هذه الظاهرة التصّحرية في ألوان من الإبداع، لا تستقيم من دونها حريات الفكر والرأي والتعبير؟ كيف الحديث عن حيوية جسم، بينما هو فاقد الإحساس. حتى فن الكاريكاتور تردّى، لم تعد له أفكار ألمعيّة. صار كأنه رسوم توضيحية كتلك التي تنشر مع القصص أو كتب الأطفال. القلم أوضح السبب في سالف الأيام. خطوط الكاريكاتور فن تشكيلي. الفكرة فن ساخر. قد يكون الرسام بديع الخطوط، لكنه ليس مبدع أفكار ساخرة. فإذا كابر، كان الفن أكبر منه.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفكرية: عندما تتوهم الأوساط الثقافية أنها تتقدم في الاتجاه السليم، فعليها النظر ملياً في اتجاه العجلات.
