الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

مسامير جحا لا مسماره

8 سبتمبر 2026 00:10 صباحًا | آخر تحديث: 8 سبتمبر 00:10 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
هل كنتَ تظنّ أن مسمار جحا، طُرفة من نوادر قريحته؟ نزار قباني كان يرى أن التاريخ نصف حوادثه تزوير، فقط. لم يقل إن نصف النصف ضعيف السند، وأن نصف الربع منفوخ فيه، وما تبقى نحترم فيه العبارة المأثورة: والله أعلم.
جاء في أسفار مندثرة، من العصور الغابرة، أن قوماً ذوي عيون تقدح شرراً، نزلوا ضيوفاً بالإكراه، على ديار دارت عليها الدوائر، فجعلت سيوف أهلها كالعصي الجوفاء. عمد الأضياف، رغم الأنوف، إلى الدهاء، حين أدركوا أن القوم لا يسيئون الظن بالأقوياء، فالقوة هي القيمة العليا، وكأن أبا الطيب استوحى منهم، أن ذا العفة مصاب بداء يجعله لا يظلم.
قال ذوو العيون الجمريّة: إنّا لا نطلب منكم غير أن ندقّ هذا المسمار في أيّ جدار تختارونه، أيّ حائط، لأن لدينا تحفةً نريد تعليقها عليه، وقد أوصانا بها الآباء الأوّلون. ما بين غمضة قوم وعودتهم إلى السبات، جاء النزلاء قسراً، لوضع اليد على البيت المجاور، بحجة أنه مطلّ على التحفة، فهو ضروري للحفاظ عليها. ثمّ كرّت السبحة بمسمار في كل بيت.
غدا البيت الثاني حيوياً لسلامة الأوّل، والثالث للثاني، والرابع للثالث، والخامس للرابع، وهكذا. لم تترك لنا الأسفار المندثرة، ما يفيدنا بالاسم الذي أطلقوه على هذا المسلسل. القراء سادة العارفين، أن تلك الألعوبة، أطلق عليها الحاذقون في زماننا اسم تداعي أحجار الدومينو، لأن الأمّة بلا دينامو. لهذا نشجب ونستنكر ونندّد، بأيّ تزوير أو حتى نصف تزييف لأحداث التاريخ، يدّعي أن مسمار جحا من ابتكار خيال الرجل الأسطوري صاحب النوادر. فالحكاية في الأصل مسألة مسامير.
لك أن تقول: ما إضاعة الوقت هذه في استعادة الأساطير، نوادر كانت وطرائف، أو بتعبير نزار نصف حوادث التاريخ المزوّرة؟ القضية التي لا يصدّق العاقل أن أهل الثقافة والبحوث السياسية ودراسات الجغرافيا السياسية، لا يعكفون على انتشال الشعوب والأمّة منها، هي: كيف يستطيع أصحاب ألعاب الخفّة اليدوية، والخداع الذهني، بطرائق الخيمياء، أن يحوّلوا بها الأساطير، مهما يكن مصدرها، إلى حقائق تاريخيّة، لا يقوى جيش مفكرين على تفنيد أنها من أراجيف الأوّلين.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفلسفيّة: ما قيمة التاريخ وفلسفة التاريخ، إذا كان حق القوة يفرض على الأمم تاريخاً مضادّاً؟
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة