الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أمريكا والذهنية الإمبراطورية

8 سبتمبر 2026 00:30 صباحًا | آخر تحديث: 8 سبتمبر 00:30 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لنترك التاريخ وسؤال: كيف تكوّنت أمريكا؟ وإن كان هذا التاريخ مساعداً لنا، بعض الشيء، في فهم هذه الدولة. سؤالنا هو: ما هي أمريكا الآن؟
أمريكا دولة إمبراطورية ذات قوة معرفية، وعلمية، وتقنية، واقتصادية، وسياسية، وثقافية، وسكانية، عالمية، بل هي، بمجموع عناصر قوتها، القوة الأكثر حضوراً وفاعلية في العالم. ونقصد بالإمبراطورية هنا أنها ذات عقل إمبراطوري وسلوك إمبراطوري، أي إنها تتعامل مع العالم كله بوصفه مجالاً حيوياً لمصالحها وإرادتها، وكأن حدودها الجغرافية السياسية لا تنتهي عند حدودها المعروفة، بل تمتد حيث تمتد قدرتها على الفعل.
وبنية العقل الإمبراطوري هي وحدة القوة والنزعة نحو الهيمنة والسيطرة، عبر كل وسائل القوة الممكنة. وأمريكا هي النموذج الأمثل الآن، أو شبه الوحيد، للعقل الإمبراطوري الكلي الفاعل، من حيث إنه لا مكان في العالم، تقريباً، خارج وعيها، واهتمامها، وفاعليتها. فما يحدث بعيداً آلاف الأميال عن واشنطن يمكن أن يتحول، في لحظة، إلى شأن أمريكي، لا لأن الجغرافيا قد تغيرت، بل لأن العقل الإمبراطوري لا يعترف بالجغرافيا إلا بوصفها مجالاً ممكناً لنفوذه.
فالإمبراطورية، بهذا المعنى، ليست اتساعاً جغرافياً فقط، وليست احتلالاً مباشراً للأرض بالضرورة، بل هي قبل ذلك وعي بالقوة بوصفها حقاً في التدخل. وحين يتحول امتلاك القوة إلى شعور بالحق في استخدامها خارج الحدود، نكون أمام منطق إمبراطوري مكتمل.
وإذا كانت المصلحة مصلحة الإمبراطورية الأمريكية تفسر نزوعها نحو السيطرة، فإن مفهوم المصلحة وحده لا يكفي لتفسير سلوك الولايات المتحدة، إذ يجب أن نضيف إليه منطق السلوك الإمبراطوري نفسه. فليست الإمبراطورية كائناً سياسياً يبحث عن مصالحه فقط، بل هي قوة تنتج مصالحها أيضاً، وفقاً لقدرتها على الوصول إليها. أي إن القوة لا تحمي المصلحة وحسب، بل توسع مفهوم المصلحة، وتخلق لها جغرافيا جديدة.
ولهذا، فإن السؤال الذي يحكم العقل الإمبراطوري ليس دائماً: أين تكمن مصلحتي؟ بل أيضاً: إلى أين تستطيع قوتي أن تصل؟
والولايات المتحدة، بحكم موقعها الجغرافي وتاريخ صعودها، خاضت معظم حروبها الكبرى الحديثة بعيداً عن أراضيها القارية. ومن أوروبا إلى اليابان وكوريا وفيتنام، ومن أفغانستان إلى العراق، ظل الخارج هو المسرح الأوسع للحرب الأمريكية. وهذه المسافة بين مركز الإمبراطورية ومسرح الحرب ليست أمراً عرضياً، بل هي أحد شروط القوة الإمبراطورية: أن تكون قادرة على نقل قوتها إلى أرض الآخر، وأن تجعل أرض الآخر ميداناً لصراعاتها ومصالحها.
وإذا كان الصراع الأيديولوجي بين الإمبراطوريتين السوفييتية، من جهة، والأمريكية، من جهة ثانية، قد حمل الإمبراطوريتين على اقتسام العالم وإدارة جانب كبير من الصراع خارج حدودهما، فإن زوال الإمبراطورية الحمراء، ومعها زوال الصراع الأيديولوجي القديم، لم يُنهِ نزوع الولايات المتحدة الدائم نحو السيطرة على العالم.
بل لعل غياب القوة المكافئة قد حرر العقل الإمبراطوري الأمريكي من القيود التي كان يفرضها عليه وجود الخصم السوفييتي. فالخصم القوي لا يهدّد الإمبراطورية فقط، بل يرسم لها حدود فعلها. وحين يزول الخصم، تتسع في وعي القوة مساحة الممكن.
وهكذا تحولت لحظة الانتصار على الاتحاد السوفييتي من انتصار على قوة منافسة إلى شعور بإمكان قيادة العالم، بل وإعادة تشكيله وفق تصور أمريكي للمصلحة والنظام والقوة.
غير أن الهيمنة الأمريكية ليست هيمنة عسكرية فقط. وهذه مسألة يجب التشديد عليها. فالإمبراطورية التي لا تملك سوى السلاح إمبراطورية ناقصة، لأن السلاح يستطيع إخضاع الجسد، لكنه لا يستطيع وحده تشكيل الوعي.
أما القوة الأمريكية فتعمل عبر شبكة شديدة التعقيد: العلم، والتقنية، والاقتصاد، والمال، والجامعات، والإعلام، والصناعة الثقافية، واللغة، والشركات الكبرى، ومراكز إنتاج المعرفة، فضلاً عن القوة العسكرية الهائلة.
لكن الإمبراطوريات ليست خالدة، ولا القوة المطلقة حالة أبدية في التاريخ. فكل قوة تنتج، من حيث تدري أو لا تدري، القوى التي تسعى إلى الحد منها. وكل مركز عالمي للقوة يستدعي ظهور مراكز أخرى. ولهذا، فإن السؤال لم يعُد: هل ستظهر قوة موازية للولايات المتحدة؟ بل: متى، وكيف، وبأيّ صورة ستظهر؟
الصين، بلا شك، صارت منافساً عالمياً لا يمكن تجاهله، لا سيما في الاقتصاد والتقنية والتجارة، وروسيا ما زالت قوة عسكرية وسياسية كبرى، لكن تحول النظام العالمي من مركز أمريكي غالب إلى تعددية أقطاب مكتملة ليس حدثاً يقع دفعة واحدة، بل صيرورة تاريخية طويلة، ومفتوحة على الاحتمالات.
إنها دولة إمبراطورية ذات ذهنية إككمبراطورية، قوة قومية ذات مصالح، لكنها تتصرف بوصف مصالحها ذات امتداد عالمي، ديمقراطية في بنيتها الداخلية، لكنها لا تتصرف بالضرورة في الخارج وفق القيم نفسها التي تنتظم بها حياتها الداخلية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: أن تكون الحرية قيمة في الداخل، ولا تكون دائماً معياراً في الخارج، أن تكون السيادة حقاً للأمريكي، فيما تصبح سيادة الآخر قابلة للتفاوض حين تتعارض مع المصلحة الإمبراطورية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة