الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

نحن والنسيان

10 سبتمبر 2026 00:11 صباحًا | آخر تحديث: 10 سبتمبر 00:23 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
النسيان بين النعمة والنقمة. نعمة بما يتيحه لنا من فرص لمتابعة الحياة؛ وإن كانت في أقصى درجات اضطرابها. للنسيان فرص يمنحنا إياها كي نلملم جراحنا وخيباتنا وغدر الذين كنا نحسبهم إخوة فمارسوا دقة الطعن. كأن النسيان إسعافنا الأخير من سكتات نتعرض لها في اليوم من التعامل مع محيطنا وما بعده.
ونقمة حين يجد الذين سدّدوا طعناتهم لنا فرصاً لاستئناف الدور نفسه؛ ظناً منهم أننا أكثر قدرة على تلقي مزيد من غدرهم واستباحتهم لدمنا الذي لا يرونه حراماً.
تراسي وانغ من جامعة تكساس توصل في دراسة له، قدمها في الاجتماع السنوي للمجتمع الأمريكي لعلم الأعصاب الإدراكي بنيويورك، إلى أن «النسيان عموماً أصعب من التذكر»؛ إذ يرى أنه غالباً ما يكون النسيان عملية تلقائية تتبدد من خلالها الذكريات من الدماغ».
ما يؤلم من حولنا كثير؛ ويظل عصيّاً على الإحاطة؛ وما يفرحنا قليل. كأن المباهج في هذا العالم تُستل استلالاً. عليك أن تصنع لحظاتك المبهجة؛ وسيتكفل الآخرون بصناعة لحظاتك المحبطة؛ ليلعب النسيان دوره المنقذ في الثانية وإلا ستكون رهينة ذلك الاستهداف؛ خاضعاً لشروطه ومباغتاته.
ربما تعلّمنا الحكمة الدارجة هنا بعضاً مما تناسيناه كي نكون أوفياء للحظات فرحنا النادرة «اكتب الإساءة على البحر واكتب المعروف على الصخر» علّك بذلك تفقه الدرس وتعمل على تحصين ذاتك من انهيارات ستطل برأسها حين تظن أنك في مأمن.
وربما لهذا يكون لنا في النسيان خيارات؛ أو هكذا نظن. لا أحد يجبرك على النسيان. هو قرارك الخالص، به تبدأ انطلاقة جديدة نحو حياة لا توزع لحظات الحبور بالمجان. عليك أن تنتزعها انتزاعاً. أمّا في التذكّر فسانحة تقودنا إلى استرجاع ما نهوى ونقيضه. ربما تتيح لنا بعض الوجوه، الأمكنة، الأصوات، الروائح، ملامح مما نريد تذكّره إلى أن تستوي الصورة. بين التذكّر والنسيان عصب مشدود؛ لكل منهما صعوبته وآلامه. هل قال البرازيلي باولو كويلو شيئاً بهذا الصدد؟ ينتخب كويلو هنا الانتظار بدلاً من التذكّر، ولذلك مدعاته؛ لأنك ما قبل التذكّر في انتظار تفاصيله التي تريد الوقوف عليها «الانتظار مؤلم والنسيان مؤلم أيضاً، لكن معرفة أيهما تفعل هو أسوأ أنواع المعاناة».
ومنهم من يرى في النسيان دواء. دواء لعللنا التي لن نسلم منها مادمنا نتنفس ونمعن في مراكمة علاقات نظن أو نتوهم أنها ستعمل على تحصيننا في هذه الغابة العملاقة التي تسمى الحياة. تلك هي رؤية المناضل الفلسطيني القاص غسان كنفاني «إن النسيان هو أحسن دواء اخترعه البشر في رحلتهم المريرة» والإنسان لم يخترع النسيان، وإن جاء في مقولة كنفاني مجازاً. الإنسان اخترع قدرته على النسيان؛ وهو اختراع قد تتولد عنه منجاة وقد يسفر عنه هلاك.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة