الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الإمارات وألمانيا.. حين تستدعي التحولات رصيد الشراكة

12 سبتمبر 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 12 سبتمبر 00:10 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
قلّما تُختبر متانة العلاقات بين الدول في لحظات الاستقرار؛ فالاختبار الحقيقي يأتي حين يضطرب النظام الدولي، وتتزاحم الأولويات، وتعيد الدول ترتيب شركائها وفق معيار القدرة على الصمود، قبل اعتبارات القرب الجغرافي أو الذاكرة الدبلوماسية. وتكتسب العلاقات الإماراتية الألمانية معناها الراهن من هذا الاختبار؛ إذ تستدعي رصيدًا ممتدًا من الشراكة في لحظة يحتاج فيها العالم إلى علاقات أكثر قدرة على احتمال التحولات.
ومع زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، تتقدم العلاقات بين البلدين بوصفها مساراً يستند إلى تاريخ طويل، ويتجه في الوقت نفسه إلى توسيع وظائفه في ملفات أكثر ارتباطاً بتحولات العالم. فالشراكة الاستراتيجية بين دولة الإمارات وألمانيا تعود إلى عام 2004، وتوثقت عام 2019 خلال زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي آنذاك، إلى برلين، فيما تمتد جذورها إلى أكثر من نصف قرن من التواصل الثنائي. وهذا العمق التاريخي يمنح المرحلة الحالية خصوصيتها؛ فالعلاقة تتحرك اليوم من رسوخها الممتد إلى توسيع دورها في عالم تتغير فيه شروط القوة، وتتقدم فيه قيمة الشريك القادر على الجمع بين الاقتصاد والاستقرار والتكنولوجيا.
ويتحرك هذا الزخم في وقت يمر فيه العالم بثلاثة تحولات متزامنة: اضطراب أمن الطاقة والممرات البحرية في الخليج والبحر الأحمر، وإعادة بناء سلاسل الإمداده الصناعية في ألمانيا وأوروبا تحت ضغط أزمات متلاحقة، وتسارع الانتقال نحو الاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة والتقنيات الصناعية عالية القيمة. وفي قلب هذه التحولات تبرز ألمانيا بوصفها القوة الصناعية والتصديرية المركزية في أوروبا، بينما تتقدم دولة الإمارات بما تمتلكه من حضور اقتصادي ولوجستي واستثماري ودبلوماسي مؤثر في الخليج والمنطقة والعالم.
ومع انتقال العلاقة إلى هذه المرحلة، تكتسب الأرقام معنى سياسياً أوسع. فقد ارتفع إجمالي التجارة غير النفطية بين دولة الإمارات وألمانيا بأكثر من 14 في المئة، من 13.59 مليار دولار أمريكي عام 2024 إلى 15.51 مليار دولار أمريكي عام 2025. كما بلغت الاستثمارات الألمانية في دولة الإمارات 8.96 مليار دولار أمريكي خلال الفترة 2020–2024. ويعكس هذا النمو، إلى جانب وجود نحو ألفي شركة ألمانية تعمل في دولة الإمارات، مستوى الثقة المتنامي في قوة العلاقة، وحرص البلدين على ترقية الشراكة من نطاق التجارة والاستثمار إلى مجالات أوسع في الصناعة، والتكنولوجيا، والطاقة، واللوجستيات.
ويتجاوز هذا الترابط مجرد التبادل التجاري ليعكس تكاملاً وظيفياً في التوجهات الاستراتيجية للبلدين. فالشركات الألمانية ترى في دولة الإمارات مركزاً إقليمياً لحركتها نحو الخليج وآسيا وإفريقيا، بينما تنظر دولة الإمارات إلى ألمانيا باعتبارها شريكاً قادراً على دعم انتقالها إلى اقتصاد أكثر ارتباطاً بالصناعة المتقدمة، والمعرفة، والمعايير التقنية، وسلاسل القيمة الجديدة. وهنا يصبح النمو التجاري مؤشراً على قابلية العلاقة للانتقال من التبادل إلى البناء المشترك.
وتعكس المسيرة المؤسسية هذا التدرج؛ من إطار الطاقة الذي أطلقه البلدان عام 2017، إلى أفق التعاون المناخي عام 2022، ثم الحوار الاستراتيجي واللجان الاقتصادية المشتركة. ولهذا يكتسب الحديث عن الذكاء الاصطناعي، والبنية الرقمية، والطاقة المتجددة، والتقنيات الصناعية عالية القيمة، معناه العملي؛ فهذه المجالات توسع ركائز الشراكة، وتمنحها قدرة أكبر على مواكبة تبدل أولويات البلدين.
ويتجاوز هذا المسار الاقتصاد إلى السياسة والاستقرار. فألمانيا، تجد نفسها اليوم أمام نقاش أوروبي حول حماية الملاحة وأمن الممرات، خصوصاً في ظل توترات هرمز والبحر الأحمر. وفي المقابل، رسخت دولة الإمارات حضورها الدولي عبر أدوار الوساطة ودعم الاستقرار، ومنها تيسير عمليات تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، إلى جانب شراكاتها مع الدول الأوروبية والناتو.
عند هذا التقاطع، تتقدم العلاقات الإماراتية الألمانية بوصفها شراكة بين قوتين مؤثرتين في النظام الدولي: ألمانيا بما تمثله من قاعدة صناعة وتكنولوجيا وتصدير في قلب أوروبا، ودولة الإمارات بما تملكه من حضور اقتصادي ولوجستي ودبلوماسي متصاعد، وقدرة متنامية على الربط بين الخليج والأسواق العالمية. وكلما ازدادت التحولات ضغطاً على الطاقة والممرات والصناعة والتكنولوجيا، تعزز سعي الدولتين إلى تحويل الرصيد الاستراتيجي للشراكة إلى قدرة أوسع على التعامل مع عالم أكثر اضطراباً.
وتجسد زيارة صاحب السمو رئيس الدولة إلى ألمانيا هذا التحول الاستراتيجي؛ فالشراكة التي بدأت بثقة سياسية وتعاون اقتصادي واحترام متبادل، تتسع اليوم نحو الطاقة، واللوجستيات، والصناعة، والذكاء الاصطناعي، والاستقرار الدولي. وتمنح الزيارة هذا المسار دفعة سياسية في توقيت يعيد فيه العالم تعريف معنى الشراكات، ويزيد فيه وزن العلاقات القادرة على تحويل الرصيد المتراكم إلى مسارات أوسع للتأثير، والربط، وبناء المصالح بين الخليج وأوروبا.
[email protected]
*مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة