بحكم تجربتي الطويلة في الإعلام، ومتابعتي المستمرة لما يقدم عبر بعض القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية، أجد نفسي أحياناً أمام سؤال يصعب تجاهله: كيف يجري اختيار بعض من يظهرون أمام الجمهور، سواء كانوا ضيوفاً أو متحدثين أو حتى مذيعين ومشاركين دائمين في بعض البرامج؟
أقول «بعض» عن قصد، لأن التعميم هنا سيكون ظلماً لمجموعة من الكفاءات الإعلامية والمهنية التي نعتزّ بها، ولمجموعة من البرامج التي تحترم جمهورها وتحسن اختيار ضيوفها. لكن هذا لا يمنعنا من الاعتراف بوجود ظاهرة تستحق الوقوف عندها.
نستمع أحياناً إلى ضيف يتحدث في موضوع لا يبدو أنه يمتلك فيه المعرفة الكافية، أو نشاهد شخصاً يتكرر ظهوره في أكثر من برنامج للحديث في قضايا متباعدة لا يجمع بينها تخصص واضح. وفي أحيان أخرى يصبح عدد المتابعين في مواقع التواصل، أو الشهرة العابرة، جواز مرور إلى الاستوديو، حتى وإن كان صاحبها لا يمتلك القدرة على التحليل أو الحوار أو تقديم معلومة جديدة.
وهنا تقع المسؤولية على المؤسسة الإعلامية قبل الضيف نفسه، فالضيف قد يقبل الدعوة، وهذا أمر طبيعي، لكن من الذي اختاره؟ ومن الذي قرر أنه الشخص المناسب لهذا الموضوع؟ وهل توجد معايير واضحة لاختيار ضيوف البرامج، أم أن الأمر أصبح في بعض الأحيان مرتبطاً بسهولة الوصول إلى الضيف، أو بالعلاقات الشخصية، أو بتكرار الأسماء المعروفة؟
البرنامج الناجح لا يصنعه المذيع وحده، كما لا تصنعه التقنيات الحديثة والاستوديوهات الجميلة، بل تصنعه قبل كل شيء الفكرة الجيدة والمحتوى الجيد والضيف المناسب. فالضيف ليس مجرد شخص نملأ به وقت الحلقة، وإنما جزء أساسي من القيمة التي نقدمها للمشاهد أو المستمع.
ومن واقع سنوات طويلة قضيتها في العمل الإعلامي، أرى أن مؤسساتنا الإعلامية بحاجة إلى إعادة النظر المستمرة في آليات اختيار من تمنحهم مساحة للظهور والتأثير في الجمهور. فالشاشة والميكروفون مسؤولية، ومن يظهر عبرهما لا يمثل نفسه فقط، بل يسهم، بصورة أو بأخرى، في تشكيل وعي المجتمع وذائقته وثقافته.
لكن المسؤولية لا تتوقف عند الضيوف وحدهم، فإذا كنا نسأل: من يختار الضيف؟ فإن السؤال الأكثر حساسية هو: من يختار المذيع؟ ومن يدربه؟ ومن يتابع تطوره بعد أن يجلس أمام الكاميرا أو خلف الميكروفون؟
استمعت ورأيت أكثر من مذيع ومذيعة في أكثر من مرة.. يتثاءبون على الهواء مباشرة. ويستخدمون أسلوب تهكّم مع بعض ضيوفهم وعلى بعض الأخبار التي يذيعونها! السؤال هنا: ألا ينبغي للقائمين على وسائل إعلامنا، مراقبة مايجري في المؤسسات التي يديرونها؟
