كنت أحاول الإصلاح بين صديقين، فقاطعني أحدهما بحدة: «أنت معه». ثم رمى بالمثل: «كل يرى الناس بعين طبعه». تركت الخلاف الأصلي، وعلقت عبارته في ذهني.
لم أكن منحازاً لأحد، لكنني أدركت في تلك اللحظة أن الحياد نفسه لا يبدو حياداً في عيون الغاضبين؛ فمن لا يقف معنا تماماً، نحسبه في صف الخصم.
المفارقة أن صديقي كان يصف نفسه بالمثل ذاته من دون أن يدري. رأى موقفي من وراء غضبه، وحاكم نيتي بما في صدره هو. وحينها اتضحت الحقيقة الأغرب: إن أحكامنا على الآخرين تقول عنا أحياناً أكثر مما تقول عنهم.
ثم فكرت في الأمر من الجهة الأخرى: إذا كان صديقي قد رآني بعين غضبه، فهل رأيته أنا بعين ثقتي الزائدة في حيادي؟ ربما لم أكن منحازاً إلى أحدهما، لكن ذلك لا يعني أنني رأيت الموقف كاملاً.
نحن لا ننظر إلى العالم بعدسة صافية، فنظرتنا محملة بالخيبات والتجارب والحسابات القديمة. هناك من يشك في كل موقف صادق لأنه لم يعتد أن يرى الأفعال منفصلة عن المصالح. وهناك من يرى فخاً خلف كل يد تمتد إليه، فقد علمته تجارب الحياة ألا يطمئن. وكلما صعب علينا فهم سلوك، عدنا إلى مرجعنا الأقرب: أنفسنا.
وهذا ما تفعله المنظومات أيضاً. حين يستقر الخلل داخل منظومة، تصبح عاجزة عن رؤية ما حولها إلا من خلاله. لا تناقش الفكرة المخالفة، وتقفز إلى التشكيك في صدق صاحبها ونواياه، وتصفه بالانتهازية؛ لأن الطعن في النيات أسهل بكثير من مراجعة البناء الداخلي.
لكن من يملك الحقيقة حتى يعظ الآخرين بها؟ وهل تتحول وجهة نظرنا إلى حقيقة لمجرد أننا نؤمن بها؟
سقراط رأى في أسئلته بحثاً عن الحكمة، فيما رأت السلطة الأثينية فيها إفساداً للشباب. وبعد قرون، انحاز التاريخ إلى سقراط، لكن السؤال ما زال قائماً: هل كان يملك الحقيقة كاملة، أم رأى خصومه خطراً لم يعد ظاهراً اليوم؟ قد لا تكون المشكلة في اختلاف الزوايا، ولكن في أن كل طرف ينظر من زاويته ثم يسمي ما يراه حقيقة.
وهذا لا يعني أن جميع وجهات النظر متساوية، أو أن الحقيقة لا وجود لها. بعض الآراء تسندها الوقائع، وبعضها تسقطه. لكن امتلاك الحجة لا يمنح أحداً حق ادعاء امتلاكها كاملة. وقد يكون الرأي خاطئاً من دون أن تكون النية فاسدة.
والغريب أننا نرفض أن يحكم علينا أحد بنظرة واحدة، ثم نحكم على غيرنا بالطريقة نفسها.
فبأي عين نرى الناس، وبأي عين يروننا؟ وكم حكماً أصدرناه على غيرنا، ولم يكن في حقيقته إلا اعترافاً غير معلن بشيء في داخلنا؟
