يدخل بعض الناس النقاش وهم يحملون إجاباتهم مسبقاً. لا يستمعون ليفهموا، بل ينتظرون دورهم ليقوموا بالرد. وقد لا يكون ذلك عن سوء نية، بل لأن ما يؤمنون به رسخ في أذهانهم إلى درجة لم تعد تسمح بمراجعته؛ فالقناعة حين تصبح صلبة أكثر مما ينبغي تتحول من رأي يحمله الإنسان إلى شيء شخصي يمثل هويته، وأي نقد له يعتبر هجوماً شخصياً.
ما يجعل هذه الحالة أخطر مما تبدو أنها لا تجعل صاحبها يشعر بأنه متعصب، بل إنه يدافع عن الحق وعن نفسه، لأن هذه الآراء تمثله. ولهذا يصعب على المتعصب الحياد، فما يبدو من الخارج انغلاقاً، يبدو له كأنه ثبات على المبادئ.
الحياد المطلوب هنا ليس أن يتخلى الإنسان عن آرائه أو يقف في منتصف كل مسألة. الحياد أن يمنح الفكرة المخالفة الفرصة نفسها التي منحها لفكرته حين اقتنع بها، أن يفحصها بالقدر نفسه، ويسأل عنها الأسئلة ذاتها. من يفعل هذه الأشياء لا يفقد قناعاته و يتخلى عن مبادئه، بل يعرف أيها يستحق البقاء.
تناول المفكر البريطاني جون ستيوارت مثل هذه المشكلة في كتابه «عن الحرية» الصادر عام 1859 حين قال: «من لا يعرف إلا جانبه من القضية لا يعرف عنها إلا القليل»، فالتعصب للرأي في الحقيقة يؤذي المتعصب أكثر من الطرف الآخر؛ لأنه لا يعطي نفسه مجالاً ليتعلم ويتطور، لذلك هو لا يعرف إلا القليل.
ما يكشف وجود التعصب هو ملاحظة بسيطة يمكن لأي شخص أن يراها في نفسه. حين يسمع حجة تدعم رأيه يقبلها بسرعة دون تدقيق، وحين يسمع حجة تخالفه يبحث فوراً عن ثغرة فيها. هذا التفاوت في المعايير هو التعصب في أوضح صوره. ثمن التعصب لا يدفعه الطرف الآخر بالنقاش، بل الشخص المتعصب نفسه، فهو يغلق على نفسه أبواباً كان يمكن أن تزيده معرفة لم تكن عنده، ويحرم نفسه من فرص التصحيح التي لا تأتي إلا من خارج دائرة الراحة، ومع الوقت يجد أن آراءه التي لا يراجعها ولا يطورها أصبحت مجرد عائق في طريقه. مع مرور السنوات، قد يكتشـف الشخص أن بعض الأمور التي كان يدافع عنها لم تكن تستحق ذلك، وأنها أخذت طاقة أكثر مما ينبغي. وليس المقصود أن يكون ضعيفاً في موقفه فيتقبل أي رأي يمر عليه، بل أن يجد ذلك الخط المحايد الذي يجعله شخصاً ذا مبادئ، ويملك الأسباب المنطقية التي تجعله يدافع عنها؛ لأنك أنت تحمل مبادئك، وليست هي التي تحملك.
