يظن البعض أن مصطلح الشجاع يدل على الشخص الذي لا يخاف، وأن الخوف في ذاته علامة ضعف. وبسبب هذا المفهوم المنتشر يتوقف بعض الناس عند أول شعور بالتردد، ويقولون إن هذا ليس طريقهم، لأنهم يعتقدون أنهم لا يملكون الشجاعة الكافية للخوض في غماره. رغم أننا لو فكرنا في الأمر من جانب آخر، قد نجد أن الحقيقة ليست كذلك.
على سبيل المثال، الطبيب في أول عملية كبيرة يخاف، والمتحدث أمام جمع كبير يخاف، ومن يترك وظيفة مستقرة ليبدأ مشروعاً يخاف. والفرق بينهم وبين غيرهم ليس أن هؤلاء لا يشعرون، بل أنهم يتحركون رغم أنهم يشعرون بالخوف. رغم ذلك جميعهم يستمر، لأن الخوف موجود، ولكن الطموح، وطلب تحقيق الأهداف، أكبر قدراً من هذا الخوف.
كتب الرسام الهولندي فنسنت فان غوخ رسالة إلى أخيه ثيو في مايو 1882، وكانت الرسائل بينهما مساحة يشرح فيها ما يفكر فيه وما يواجهه. كانت إحدى العبارات الشهيرة التي ذكرت في إحدى رسائله لأخيه هي مقولته: «الصيادون يعرفون أن البحر خطر وأن العاصفة مخيفة، لكنهم لم يستطيعوا قط أن يروا في هذه المخاطر سبباً لمواصلة التنزه على الشاطئ. يتركون تلك الحكمة لمن تروق لهم. وحين تأتي العاصفة، وحين يهبط الليل، أيهما أسوأ: الخطر أم الخوف من الخطر؟ أعطوني الحقيقة، أعطوني الخطر نفسه».
ما يلفت في هذا الوصف أن فان غوخ لم يقل إن الصيادين لا يشعرون بالخطر، بل أكد أنهم يعرفونه تماماً. معرفتهم به لم تكن مانعاً لهم للإبحار، لأن ما يقصدونه كان أهم عندهم من الأمان الذي يتركونه خلفهم. وهذا ما يميز الإقدام الواعي عن التهور، فالمتهور لا يرى الخطر أصلاً، أما من يعرفه ويمضي فقد وزن الأمر، وأدرك ما أمامه، واتخذ قراره.
ما يجب أن نتعلمه من هذا كله، هو أن الخوف لا يزول بالتأجيل ولا بالتراجع. فمن ينتظر أن يشعر باستعداد كامل قبل أن يبدأ، ينتظر شيئاً لا يأتي في العادة قبل الفعل. لأن الطمأنينة تبنى من التجربة نفسها، ومن رؤية الإنسان لنفسه وهو يتصرف في موقف كان يخشاه. وكل تأجيل يضيف إلى الخوف حجماً أكبر.
