بعد أن كان قطاع غزة يتصدّر المشهد الإخباري العالمي، تراجع المشهد نفسه إلى آخر الأولويات، رغم عدم حدوث تغيير في وتيرة الموت وتهجير الناس من مختلف الأعمار، إن قتلاً بالرصاص أو قصفاً بالمسيرات أو الطائرات الحربية، أو انهيار المباني المتصدّعة على رؤوس الناس، أو الأمراض وغيرها من أسباب الموت التي لا تُعد ولا تُحصى.
وتراجع وجود غزة في المشهد الإخباري يعود إلى وهمٍ كبير أو كذبة أكبر، يقولان بأن الحرب انتهت في القطاع الذي سال منه دم يكفي ليشكّل أنهاراً. فكل حالة وفاة هي نتيجة الحرب بغض النظر عن نوعها، فموت 21 شخصاً نتيجة انهيار مبنى متصدّع قبل ثلاثة أيام، هو نتيجة الحرب والقصف المتعمّد للمباني المدنية، وقد انهار المبنى نتيجة أعمال عسكرية إسرائيلية تمنع إدخال المعدات لمعالجة البنايات المتضررة وانتشال الضحايا من تحت الأنقاض.
وكل طفل يموت يعود إلى سبب عسكري أيضاً يمنع إدخال الأدوية. وهناك أمور مضحكة مبكية تحدث الآن في غزة ويسميها الناس هناك أزمة الولّاعات أو القدّاحات، إذ صعد سعر الولاعة، حسب تقارير صحفية، من نصف دولار إلى أكثر من 30 دولاراً. والولّاعة ليست فقط لإشعال السجائر وإنما لإشعال الحطب ومواقد الطعام وغيرها. ويبدو أن هناك قراراً بمنع إدخال أو توزيع الولاعات، ولا ندري ما السبب، لكن ما نعرفه أن هذا من تبعات الحصار المستمر منذ سنوات.
وبعيداً عن أزمة الولّاعات، واقتراباً من المقترحات المطروحة لإدارة غزة في (اليوم التالي)، وبعد الاطلاع على المناقشات السياسية الإقليمية والدولية، فإننا نوجز تلك الأفكار بالتالي:
* أولاً: فكرة تولي السلطة الفلسطينية إدارة القطاع مدنياً وأمنياً بدرجات متفاوتة، مع دعم عربي ودولي وإعادة إعمار واسعة.
* ثانياً: نشر قوة متعددة الجنسيات تشرف على الأمن والخدمات وإعادة الإعمار لفترة انتقالية.
* ثالثاً: بقاء إدارة فلسطينية من داخل غزة، مع إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والمدنية وتشكيل حكومة تكنوقراط أو حكومة توافق فلسطيني.
* رابعاً: إدارة إنسانية تقوم بإعادة الإعمار وتعمل على وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات، وإعادة بناء البنية التحتية، وتأجيل القضايا السياسية الكبرى.
* خامساً: وهو مقترح تنظيري أكثر من عملي يؤكد أن مشكلة غزة لا يمكن فصلها عن القضية الفلسطينية كلها.
ويظهر من هذه المقترحات أو الأفكار أنها لا تتحدّث عن حل بعيد المدى لكنها مجرّد مسكّنات مرحلية، وفي كل الأحوال، تلقى المقترحات معارضة قوية من الجهات التي تدير القطاع حالياً، وهي بقايا حركة حماس وتنظيمات أخرى في الظل، من منطلق تمسّكها بأرض تتحرك عليها، وإثبات دورها الأمني والعسكري والإداري في القطاع، ورغم ذلك، يحق لنا طرح سؤال يستند إلى حالة الإرباك الإداري التي يعيشها القطاع: من يحكم غزة الآن؟
تقول التقارير إنه لم يعد الوضع في غزة كما كان بين 2007 و2023 حين كانت حركة حماس تدير القطاع بصورة مباشرة. وقد أقدمت الحركة في شهر يوليو/ تموز الماضي على حل اللجنة الحكومية التي يسمونها أيضاً لجنة الطوارئ الحكومية، التي كانت تدير شؤون القطاع، وأعلنت استعدادها لنقل المهام إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة ضمن ترتيبات مرتبطة باتفاقات وقف إطلاق النار.
ورغم ذلك يتفق المحللون على أن قطاع غزة يمر بمرحلة انتقالية معقدة، حيث لا توجد سلطة مستقرة واضحة الصلاحيات تمارس حكماً كاملًا على القطاع كما كان سابقاً، بينما لا تزال ترتيبات الإدارة والأمن وإعادة الإعمار موضع تفاوض ونقاش، وهذا يسبّب قلقاً للمواطن الذي يبحث عن بارقة أمل تقوده إلى الاستقرار، والعودة إلى منزله، وهذا التوصيف ينطبق على معظم سكان قطاع غزة البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة. ويقول مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في تقريره الصادر في 4 سبتمبر/أيلول 2026 إن معظم سكان غزة البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة يواجهون موسم الأمطار وهم في مواقع نزوح مكتظة. وأفادت الأونروا بأن نحو 67 ألف نازح يقيمون في 83 ملجأ جماعياً طارئاً تديرها الوكالة.
لا يزال قطاع غزة يعاني تبعات الحرب، ويعاني أيضاً تراجع التركيز الإعلامي عليه، وتشمل المساعدات المقدمة، مساعدات «الفارس الشهم» التي تقدمها دولة الإمارات العربية المتحدة، هذه المساعدات لم تتوقف، فعلى سبيل المثال دخلت مساعدات إماراتية إلى غزة في 6 سبتمبر/ أيلول 2026 شملت 66 شاحنة محملة ب533 طناً من المساعدات الإنسانية شملت مواد غذائية ومواد إيواء. وكانت قد دخلت خمس قوافل في 30 أغسطس/ آب الماضي ضمت 74 شاحنة محملة ب903 أطنان من المساعدات بينها مواد غذائية ومستلزمات دراسية ومواد إيواء، إضافة إلى قوافل أخرى دخلت قبل أيام.
إن منطقة تعرضت لحرب مدمرة راح ضحيتها أكثر من 72 ألف إنسان وجُرح أكثر من 171 ألفاً آخرين، يجب أن تبقى الشغل الشاغل للإعلام العربي والعالمي، فقصص المعارك ربما انتهت لكن القصص الإنسانية لا تنتهي، مع ظهور أحداث جديدة كل يوم.
