لا يمكن لأي باحث أو مهتم بالحركة الإبداعية في مملكة البحرين عموماً أن يستوفي مسحه وإلمامه بها من دون أن يكون كل من قاسم حداد وأمين صالح في طليعة الأسماء التي يستنطق أو يضيء جوانب من إنتاجها.
تلازم هو هكذا يطل برأسه بشكل عفوي، تماماً كعلاقتهما المتفردة التي امتدّت لعقود طويلة، يحضر قاسم ليحضر أمين وإن غاب أي منهما بجسده، فليس من باب التلاعب بالعناوين ذلك العنوان الذي يتصدّر هذه الكتابة. فنحن أمام «قاسم أمين»، ليس أحد مؤسسي الحركة الوطنية المصرية، بل أمام اثنين من أهم الأصوات الإبداعية العربية، في تركيب ودمج بتصرف لاسميهما الأولين؛ بل تحضر في تجربتهما وشائج لا تخطئها العين، بدءاً باللغة التي يكتبان بها.
اللغة الخارجة على النمطية والقوالب الجاهزة، وليس انتهاء بالعوالم والمضامين التي يشتغلان عليها. تجد لدى حداد سرداً كأنه على اشتغال دائم به، وليست «ورشة الأمل (سيرة شخصية لمدينة المحرق)»؛ إلا واحداً من الشواهد التي يمكن أن نقف عليها في عدد من إصداراته، و«ما أجملك أيها الذئب.. جائع وتتعفف عن الجثث» ليس بعيداً من ذلك.
وستجده الناقد بعينه الفاحصة ورؤيته المواكبة بل والمتجاوزة؛ إذ يمكن الوقوف على إلماعات وأكثر من قبض نقدي في نموذجين كمثال وليسا حصراً؛ «فتنة السؤال» و«مكابدات الأمل». يكتب حداد في «اكتشاف الصوت» المنشور في «القدس العربي» بتاريخ 2 مايو 2024 في رده على الدعوة إلى كتابة الشعر بالنثر «بعد التحولات النوعية في الكتابة الشعرية في العالم، توقف الكثيرون أمام الدعوة لكتابة الشعر بالنثر، بمعنى أننا نريد أن نثبت للمتحفظين أن تجديدنا مشروع، مدللين بأن أسلافنا قد فعلوا ذلك ودعوا إليه. والحق، أيضاً، أننا غير مجبرين على طلب تزكية الجيل السابق لما نذهب إليه من تجديد».
في الجانب نفسه، يحضر القاص والروائي، مهندس السرد، أمين صالح شاعراً بكل حساسيته وانحيازه المكشوف للشعر، في مجمل أعماله. ولن تحتاج إلى كبير جهد كي تكتشف ذلك، بلغته الشفافة والحادة في الوقت نفسه؛ ولعل اعترافاً واضحاً نقف عليه في «فتنة النص» المنشور في مجلة «الجديد» في 1 مارس 2019 «أحببت الشعرَ كثيراً، أكثر من القصة والرواية. لكنني لم أجرب كتابة القصيدة. لم أشعر بأني قادر أو مؤهل لفعل ذلك. أردت أن أكون شاعراً في مجالي الخاص».
في إصداريه «هندسة أقل.. خرائط أقل» و«موت طفيف» لن تشك لحظة في أن الذي يقف وراء الإصدارين شاعر بامتياز، ولا يحتاج إلى إشهار يمنحه جدارة وكفاءة أن يكون من بين الكبار.
ويظل «موت الكورس» الصادر في العام 1984، والذي جمعهما في نص مشترك لا يمكن تحديد من منهما وراء نص بعينه في الإصدار، هو «البيان» الذي أشاع منطلقاتهما بالاشتغال على نصوص خارج دائرة السطح والمباشرة «لا نبحث في السطح. بل نحاول اقتحام الباطن (...) فالذي يرصد الظواهر يتعين عليه أن يتقن الإمساك بالعناصر و الأبعاد، مسلحاً - لا بالحدقة وحدها ولكن - بالغريزة والحدس والرؤيا وبعض مهارات الحاوي أو الساحر».
