يخضع تعامل الإنسان مع الطبيعة إلى رؤيتين متناقضتين، الأولى ترى أن الإنسان مجرد جزء من البيئة عليه استثمارها والاستفادة منها، لكن عليه من جهة أخرى الحفاظ عليها من أجل الأجيال القادمة. الإنسان هنا مجرد وكيل أو مستخلف في الأرض وفق المنظور الإسلامي، وهناك رؤية أخرى تذهب إلى أن الإنسان هو السيد المطلق للطبيعة، له حق الهيمنة عليها.
الرؤية الأولى مبنية على التناغم والتكامل والتجاور وعدم الإقصاء، فهناك توازن دقيق بين مختلف مكونات الطبيعة لا يجب تجاوزه أو العبث فيه، والحياة نفسها تقوم على معادلة دقيقة تعتمد على هذا التوازن، والرؤية الثانية قائمة على المنفعة والحصول على أكبر قدر من المكاسب بغض النظر عن أي خسائر تظهر لاحقاً.
تمتاز الرؤية الأولى بطابع جمالي تأملي، وميزت الشرق لقرون طويلة، أما الرؤية الثانية فوظيفية، وقيمة الشيء تعود إلى ما يمكن أن يحققه الإنسان من أكبر قدر من المكاسب.
الرؤية الأولى، شكلتها عوامل روحية ودينية، وتراث ضارب في القدم ينتمي إلى الهند والعراق ومصر، أما الرؤية الثانية فهي غربية ابنة الحداثة التي وضعت الإنسان في مركز العالم ولا أهمية لأي شيء آخر، وهي رؤية تطورت وتراكمت أزماتها حتى وصلت اليوم إلى طريق مسدود.
فنحن على أعتاب تغير مناخي ينذر بعواقب وخيمة، لقد أفرزت هذه الرؤية سيناريوهات كابوسية، خاصة للأطراف الضعيفة من البلدان الفقيرة والنامية التي ستتأثر سلباً أكثر من غيرها بتغيرات المناخ، وهنا لا مانع داخل تلك الرؤية أن تختفي هذه الأطراف أو يصيبها الدمار والأذى، ففي سبيل أن يتسيّد الإنسان الطبيعة ويحكم قبضته عليها لا قيمة لتضحيات كبيرة حتى لو طالت البشر أنفسهم، فالإنسان ما هو إلا كائن وظيفي لا يمكن له أن يقف في طريق التطور، وربما هي الفكرة نفسها التي تحكم لا وعي صنّاع الذكاء الاصطناعي، الذين لا يهتمون كثيراً بمن يحذر من هيمنة ذلك الذكاء على البشر في يوم من الأيام، فالتطور لا بدّ أن يأخذ مجراه الحتمي برغم أي مخاطر أو خسائر.
للمرة الأولى في التاريخ الإنساني، تهيمن حضارة واحدة على مقدرات البشر، كما تفعل الحضارة الغربية الآن، وأي خطر يهدد هذه الحضارة فهو يهدد بقية الحضارات وربما بصورة أكبر، وكل ذلك نتج عن المغامرة الغربية وتوابعها من ثورة صناعية وتكنولوجيا وعولمة تغلغلت بآلياتها لدى جميع دول العالم، وفي ظل التخوف الشديد من التحولات المناخية، وغيرها من أمور تعترض مستقبل الإنسان وتهدده، هل تستطيع رؤية أخرى أن تقدم البديل؟
هذا هو السؤال الصعب الذي يخفي بداخله سؤالاً أكثر صعوبة: هل ندرك نحن أبعاد رؤيتنا الخاصة عن الإنسان والطبيعة والعالم حتى نستطيع تقديمها للآخرين؟ أعتقد أن الإجابة سلبية، فنحن لعوامل حضارية وثقافية طويلة ومعقدة نرى العالم الآن بمنظور غربي، وتلك أزمة أخرى تجعلنا شركاء في تحمل نتائج أي سيناريو كابوسي مقبل.
