بعد 26 عاماً على اقتحام إريئيل شارون المسجد الأقصى في 28 سبتمبر/ أيلول/ عام 2000، الذي تسبب في اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بات الأقصى يواجه اقتحامات استيطانية جماعية متكررة بزعامة وزير الأمن إيتمار بن غفير وسياسيين متطرفين آخرين، تحمل معها نذر مواجهة كبرى لا أحد يمكنه التكهن بنتائجها.
المقاربة هنا لا تتعلق فقط بالشكل، وإنما بالمضمون، رغم تغير الظروف والوقائع منذ ذلك التاريخ، فاقتحام شارون الأقصى، الذي أثار ردود فعل فلسطينية غاضبة آنذاك، وولد انتفاضة شعبية تخللتها مواجهات دامية في طول الأراضي الفلسطينية المحتلة وعرضها، ظل يعتبر من وجهة نظر المراقبين حدثاً استثنائياً حيث تمت المحافظة إلى حد كبير على الوضع التاريخي القائم للمسجد الأقصى. غير أن ما يحدث اليوم، يمكن اعتباره نقطة تحول في المحاولات الإسرائيلية للسيطرة على الأقصى ارتباطاً بالمحاولات الجارية لضم الضفة الغربية واحتلال ما تبقى من قطاع غزة.
إذ لم تعد الاقتحامات تتعلق بحفنة من الأفراد توفر الحماية لهم قوات الاحتلال، إنما تحولت إلى ممارسات جماعية شبه يومية منظمة تقدر بالمئات وأحياناً بالآلاف تحت قيادة سياسيين متطرفين وحاخامات وتحمل معها بعداً دينياً وسياسياً. ووصل الأمر إلى حد ممارسة طقوس دينية علنية يرافقها غناء ورقص والقيام بما يسمى «السجود الملحمي» بهدف تكريس واقع جديد قد يتجاوز محاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني على غرار ما حدث في الحرم الإبراهيمي في الخليل إلى السيطرة الكاملة على الحرم القدسي.
فما صرح به الوزير المتطرف بن غفير علناً وجهاراً من داخل الحرم القدسي برفقة مئات المستوطنين، قبل أيام قليلة، بمناسبة ما يسمى «عيد العرش» حينما قال «نحن أصحاب المكان» واصفاً الأقصى بأنه «أهم مكان للشعب اليهودي»، يكشف حقيقة النوايا الإسرائيلية في تغيير الوضع القائم والتاريخي للأقصى، والتنصل من الاتفاقات والوصاية الهاشمية التي تمنح الأردن الولاية الكاملة على الحرم القدسي.
واللافت أن كل هذه المحاولات الإسرائيلية تترافق مع اتساع متزايد في أعداد المشاركين في الاقتحامات، يقابله فرض المزيد من القيود على الفلسطينيين في الوصول إلى المسجد الأقصى وإجبار المقدسيين في المناطق المحيطة على إخلائها أثناء اقتحامات المستوطنين. إذ تشير الأرقام الصادرة عن محافظة القدس إلى أن عدد المستوطنين المقتحمين تجاوز 40 ألف مقتحم منذ بداية العام الحالي حتى مطلع سبتمبر/ أيلول، عدا عن آلاف المقتحمين في الأيام القليلة الماضية، فيما صدر نحو 800 قرار إبعاد بحق مقدسيين عن المسجد خلال الفترة ذاتها.
وبالعودة إلى استحضار ما قام به شارون عام 2000، ورغم أن التاريخ لا يكرر نفسه بصورة آلية، فإنه يكشف عن حقيقة تحوّل ما اعتبر حدثاً استثنائياً آنذاك، إلى سياسة ممنهجة يجري تكريسها تدريجياً وبشكل يومي لفرض واقع جديد يستهدف تهويد الأقصى، ويحمل معه مخاطر مواجهة كبرى قد تتجاوز حدود المنطقة برمتها.
