لم تعد أزمة الطاقة العالمية مجرد مخاوف نظرية أو سيناريوهات محتملة، بل بدأت ملامحها تظهر بوضوح في أسواق النفط والوقود، مع تداخل مجموعة من العوامل الجيوسياسية والتشغيلية التي تهدد إمدادات المنتجات النفطية المكررة، وتفتح الباب أمام موجة جديدة من ارتفاع الأسعار والتضخم، في وقت كانت فيه الاقتصادات العالمية تأمل في تجاوز آثار موجة التضخم السابقة.
وجاء أحدث تحذير من الرئيس التنفيذي لشركة شيفرون، مايك وورث، الذي أشار إلى أن العالم يواجه أزمة متزايدة في إمدادات الوقود. ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه حركة ناقلات النفط والمنتجات المكررة أكثر صعوبة نتيجة الاضطرابات الأمنية والعسكرية في مناطق استراتيجية من تجارة الطاقة العالمية.
ويبرز مضيق هرمز في مقدمة مصادر القلق، بعدما أدت الحرب إلى تعطيل حركة الإمدادات عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بالتزامن مع استمرار الاضطرابات في باب المندب. وتكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية نظراً إلى الدور المحوري الذي يلعبه المضيقان في نقل النفط والمنتجات النفطية بين مناطق الإنتاج والأسواق العالمية.
وتشير البيانات إلى أن حجم المنتجات النفطية المكررة التي تمر عبر مضيقي هرمز وباب المندب تراجع بنسبة 61% خلال الربع الثاني من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وهذا الانخفاض الكبير لا يعكس فقط اضطراب حركة التجارة، بل يوضح أيضاً حجم المخاطر التي تواجه سلاسل إمدادات الوقود العالمية، خصوصاً إذا استمرت الاضطرابات لفترة طويلة.
وفي روسيا، تتسع المشكلة من جانب آخر. فقد خفضت ثلاث من أكبر ست مصافٍ لإنتاج الديزل إنتاجها بصورة كبيرة أو توقفت عن العمل خلال سبتمبر، وهي مصافٍ تمثل نحو نصف إنتاج الديزل الروسي. وأي استمرار في انخفاض الإنتاج الروسي يمكن أن ينعكس على الأسواق الدولية، خصوصاً أن روسيا تعد من كبار منتجي ومصدري المنتجات النفطية.
وفي المقابل، يرى الرئيس الأمريكي أن ارتفاع أسعار الديزل يرتبط بصورة أساسية بالحرب الروسية الأوكرانية، وليس بالحرب مع إيران. ويعكس هذا الاختلاف في تفسير أسباب ارتفاع الأسعار مدى تعقيد المشهد الحالي، حيث تتداخل العوامل الجيوسياسية مع مشاكل الإنتاج والتكرير والنقل، بحيث يصعب تحميل عامل واحد مسؤولية التطورات في الأسواق.
ولا تقتصر الضغوط على مناطق الإنتاج والنقل، إذ تراجعت قدرة التكرير العالمية خلال يوليو إلى نحو 81 مليون برميل يومياً، أي أقل بنحو خمسة ملايين برميل يومياً من مستواها في العام السابق. وهذه النقطة بالغة الأهمية، لأن المشكلة لا تتعلق فقط بتوافر النفط الخام، وإنما أيضاً بقدرة المصافي على تحويله إلى البنزين والديزل ووقود الطائرات وغيرها من المنتجات التي يحتاج إليها الاقتصاد العالمي.
وهنا تظهر خطورة الأزمة بشكل أوضح. فقد يكون النفط الخام متاحاً في مناطق الإنتاج، لكن اضطراب طرق الشحن أو انخفاض طاقة المصافي يعني أن هذا النفط لن يتحول بالضرورة إلى وقود يصل في الوقت المناسب إلى المستهلك النهائي. وبالتالي، فإن الاختناق قد يحدث في أي مرحلة من مراحل سلسلة الإمداد، من الإنتاج والنقل البحري إلى التكرير والتوزيع.
وقد بدأت هذه الضغوط تنعكس بالفعل على المستهلك الأمريكي، حيث ارتفع سعر البنزين إلى نحو 4.30 دولار للجالون، بينما تجاوز سعر الديزل 6 دولارات للجالون، وهي مستويات تضع تكاليف النقل والصناعة أمام ضغوط إضافية.
لكن التأثير الأكبر قد يظهر في الدول المستوردة للنفط والوقود، خصوصاً الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاتها من الطاقة. فارتفاع أسعار النفط والمنتجات المكررة يعني ارتفاع قيمة فاتورة الاستيراد، وبالتالي زيادة الضغط على احتياطيات العملات الأجنبية والميزان التجاري.
كما أن ارتفاع كلف الشحن والتأمين، نتيجة اضطراب الممرات البحرية، يضيف طبقة أخرى من الضغوط على هذه الدول. وقد تجد الحكومات نفسها أمام خيارات صعبة بين رفع أسعار الوقود محلياً، وهو ما ينعكس على التضخم وكلف المعيشة، أو زيادة الدعم الحكومي للحد من أثر ارتفاع الأسعار، الأمر الذي يضغط بدوره على الموازنات العامة.
وتصبح المشكلة أكثر حساسية في الدول ذات العملات الضعيفة أو التي تعاني عجزاً في الحساب الجاري، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع العملة المحلية إلى زيادة فاتورة الاستيراد، بما يضغط على كلفة المعيشة والمالية العامة والاستقرار الاقتصادي.
كما تتأثر قطاعات النقل والصناعة والزراعة والكهرباء بارتفاع كلف الطاقة، ما يرفع أسعار السلع والخدمات، ويضعف القوة الشرائية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تباطؤ النمو.
والأهم أن ارتفاع أسعار الوقود ينتقل تدريجياً إلى كلف النقل والشحن والإنتاج، ما يجعل عودة التضخم أحد أبرز المخاطر. وقد تجد البنوك المركزية نفسها أمام معادلة صعبة بين احتواء التضخم ودعم النمو، بما قد يحد من خفض أسعار الفائدة.
كما تنعكس الأزمة على الأسواق المالية من خلال ارتفاع كلف الشركات وتراجع هوامش أرباح القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، في حين قد تستفيد بعض شركات الطاقة من ارتفاع الأسعار.
وبالتالي، فإن التحدي لا يتعلق فقط بأسعار النفط الخام، بل بقدرة العالم على تأمين الوقود المكرر ونقله. وإذا استمرت اضطرابات هرمز وباب المندب بالتزامن مع تراجع إنتاج المصافي وطاقات التكرير، فقد تتحول أزمة الإمدادات إلى أزمة وقود عالمية أوسع، تمتد تداعياتها إلى التضخم والنمو والأسواق المالية.
وفي النهاية، فإن تطورات الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الضغوط ستبقى أزمة مؤقتة في الإمدادات، أم أنها ستتحول إلى موجة عالمية جديدة من ارتفاع أسعار الوقود والتضخم، مع تفاوت كبير في حجم التأثير بين الدول المصدرة للطاقة والدول المستوردة لها.
* مستشار في الأسواق المالية والحوكمة والاستدامة
