كثيرة هي المناسبات العالمية التي تعود لتذكّرنا بواجباتنا وربما بفئة من الناس كانت تعاني ومازالت، أو بمن يجب علينا تكريمهم، ليس في الذكرى والمناسبة فقط بل ربما كل يوم؛ ومن هؤلاء، المعلمون الذين احتفى العالم أمس بالذكرى الستين لليوم العالمي لهم؛ والاحتفاء بهم يفوق الشكليات وتقديم كلمات الشكر والامتنان والتقدير، ويدفعنا إلى إعادة التفكير في أحوال المعلم والتعليم، ماذا بقي من صورة المعلم التي عرفناها، وماذا تغيّر في هذه المهنة التي كانت يوماً عنواناً للهيبة والقدوة والمعرفة، وأصبحت اليوم في مواجهة عالم يسبق المدرسة بخطوات؟
ستون عاماً، أي أن المسافة ليست بعيدة بين ما حث العالم للاحتفاء بالمعلم والتذكير بأهمية دوره، وبين ما وصل إليه اليوم، ففي السابق كان المعلم هو بوابة المعرفة وهو السبيل الأول والأهم لإيصال المعلومة وشرحها وتلقينها للطالب، الذي كان بدوره ينتظر الدرس كي يكتشف ويتعلم ويفهم، وكأنه يُطل على العالم من خلال من كانت كلمته مرجعاً ومعلوماته موثوقة لا جدال فيها.
اليوم، ومع التطور الكبير، لم يعد المعلم مفتاح الأطفال والشباب إلى عالم المعرفة والمعلومات، بل سبقوه بخطوات وباتت كل المعلومات متوافرة بين أيديهم، والتعلّم متاح بطرق كثيرة غير المدرسة والمدرسين، لكن كل ذلك التقدم وتلك الرفاهية التي توفرها التكنولوجيا، لن يتمكنا من إلغاء دور المعلم وأهمية وجوده وعمق تأثيره في الأجيال؛ لن يتمكن الذكاء الاصطناعي من التفاعل مع الطالب والتواصل معه بشكل إنساني كما يفعل المعلم.
نعم تغير دور المعلم، فلم يعد هو المصدر الأول والوحيد للمعلومة، لذلك اختلفت طبيعة المهنة وصار المعلم موجهاً يواكب التقدم ويسبق طلابه في معرفة كيفية استخدام تلك الوسائل وما تقدمه لهم من خدمات ومواد وكيفية الاستفادة من حسناتها وتجنب عيوبها؛ ولكثرة فيض المعلومات بات من الضروري توجيه وتوعية الطلاب بكيفية غربلتها والوصول إلى الصحيح والمفيد منها وكيفية التمييز بين الحقيقة والزيف، بين المعلومة الدقيقة والمزورة.
الدور المهم أيضاً اليوم، والذي لا يقل عن التعليم أبداً، هو التركيز على التربية واستعادة الثقة بالمنظومة التعليمية، واستعادة القيم والمبادئ واحترام الآخرين.. الأجيال الجديدة تغرق في عالم تتدفق فيه الأفكار من كل صوب، ويكثر فيه التقليد الأعمى بلا سقف أو حدود للعيب والقيم، والكل يمشي خلف فيديوهات قد لا تتناسب مع طبيعة مجتمعاتنا، هنا يأتي دور التربية والمراقبة المدرسية والمنزلية معاً.
مهما تطورت الأساليب والوسائل، سيحتاج الطالب دائماً إلى من يقوده نحو الطريق الصحيح، ومن يساعده كي لا يقع في أخطاء صعبة وأحياناً مدمِّرة، ومن يساعده على فهم الحياة وذاته وفهم واكتشاف مستقبله، وسيبقى أفضل دليل وسند هو المعلم.
