الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

في عالمية الأخلاق الإنسانية

14 أكتوبر 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 14 أكتوبر 2026 00:05 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
طالما اتسمت الديانات الوثنية والبدائية بنزعة اصطفائية تجعل المؤمن بها مسؤولاً أمام إلهه عن الأخطاء التي يقترفها في حق أفراد عشيرته فقط، أما الغرباء، فمسموح له أن يغشهم ويسرقهم، ويقتلهم أحياناً، من دون شعور بالإثم. وفي المقابل تميزت الأديان الراقية/ التوحيدية بالاتساق الأخلاقي المصاحب لإله فائق الوجود والقدرة، يتمتع بالكمال والشمول، فهكذا إله لا بد أن يستهدف مصلحة البشر جميعاً؛ لذا جاءت قوانين الأخلاق في الشرائع الثلاث التوحيدية، رغم نزعة تمييزية هيمنت على بعض مكونات التراث اليهودي، عامة وشاملة، تنطوي على فضائل جوهرية تكشف عنها كتبها المقدسة: «الوصايا العشر، وموعظة الجبل، ونصائح لقمان لابنه» تكاد تكون هي نفسها منظومة القيم التي دعت إليها الحضارات العريقة والمدنيات الكبرى، التي حاولت تجسيد ضمير إنساني مشترك، ولو تجلّى هذا الضمير بألوان مختلفة؛ حيث تميل بعض الثقافات إلى تغليب المصدر الديني، وبعضها الآخر إلى تغليب المصدر العقلي. تمنح تلك الألوان للثقافات المختلفة قدراً من الخصوصية في تحديد وسائل إدراك الخير العام أو طرائق حصار الشر الفردي، لكنها لا تحول دون توافقها حول ماهية الخير أو الشر. فمثلاً، تتشارك جل المجتمعات في قيم، كتوقير كبار السن، وقول الصدق، واحترام العهد، ومحبة الآخرين، والسعي في خدمة الضعفاء، وإن اختلفت في كيفية إثابة المتمسّكين بها. كما تشترك في التنفير من الكذب والنفاق كطريقين لإفساد المجتمع، ومن السرقة كفاحشة، والقتل كجريمة، والزنا كإحدى الموبقات الكبرى، حتى لو اختلفت في كيفية عقاب القتلة والزناة واللصوص والكذابين.
ومن ثم يمكن الادعاء بأن ثمة أخلاقاً كونية تتأسس على المبادئ الكلية للعقل البشري، لا تتناقض بالضرورة مع الأخلاق التوحيدية المؤسسة على جوهر الكتب المقدسة. بل يمكن القول بتكامل المصدرين: العقلي والديني في صياغة نموذج أخلاقي شامل. ولعلنا نرى في نظرية الحسن والقبيح عند المعتزلة، وهي نقطة الذروة في الأخلاق الإسلامية، خطوة جوهرية على الطريق إلى نظرية الواجب لدى إيمانويل كانط، وهي ذروة الأخلاق العقلية، وإن احتفظ التصور المعتزلي بميزة الواقعية قياساً إلى التصور الكانطي. يستند كانط إلى أعمق النزعات المثالية عند البشر، ورغبتهم في أداء واجبهم الذي يرون فيه تكميلاً لإنسانيتهم يشعرهم بالرضا عن الذات. نقطة الضعف هنا أن البشر ليسوا جميعاً مثاليين، من ثم تصبح أخلاق الواجب أقرب إلى نزعة أرستقراطية، يختص بها نبلاء البشر. أما المعتزلة فيستندون إلى مفهوم الضمير الديني، الذي يردع الإنسان عن الشر بقوة عقدية، يحفزها مفهوما البعث والخلاص.
ورغم ذلك لا ينكر المعتزلة الدوافع المثالية، وإن ألبسوها ثوباً دينياً هو مفهوم الإحسان كمرحلة يرتقى إليها المؤمن، فيسلك وكأنه يرى ربه، ليس خوفاً من العقاب، ولا بحثاً عن ثواب مُدَّخر في الآخرة، بل عن ذلك الشعور بالرضا والسعادة، الذي ينشأ عن إحساسه الجواني بأن الله يرضى عن سلوكه الخيّر. وفي هذا السياق يتأكد لدينا أمران أساسيان:
- الأول: هو أن السلوك الأخلاقي يمثل قيمة إنسانية مشتركة بين الثقافات، قد يرتدي ثياباً مختلفة أو يحمل أسماء متغايرة، وقد يتبدل مصدره بين الدين والعرف والقانون، ولكن يبقى جوهره واحداً، يعكس سعي كل فرد إلى توكيد خيريته من خلال تجسيد الصورة المثلى عن الإنسان، بحيث يصبح أكثر الأبواب اتساعاً على عالم الفضيلة هو أن يكون المرء إنساناً حقاً.
- الثاني: هو أن النزعة الأخلاقية قد تجمع بين أناس تتعدد أديانهم وثقافاتهم طالما توافقوا في مدى احترامهم للمثل العليا، مثلما تُفرِّق بين أناس ينتمون إلى دين واحد حال تناقضوا حول مدى تقديرهم لتلك المثل، ما يؤكد أن الأخلاق ليست قصراً على أرباب دين بذاته، بل هي معلم على إنسان بذاته، يستطيع الارتقاء إلى مستوى طبيعته الجوهرية، مستخدماً في ذلك إيمانه الروحي ولو بدين طبيعي، وقدرته على الشعور بالمحبة تجاه الآخرين، ولو لم يكونوا من بني وطنه أو دينه، فإن لم يستطع ذلك كان وغداً أياً كان الدين الذي يعتنقه.
على هذا يتبدى لنا أن أصل الأخلاق ووازعها الأساسي يكمن في قلب الإنسان وعقله وضميره، وليس في دين بذاته، أو في فلسفة حصرية، أو في حضارة بعينها، فالقيم الجوهرية في جميع الأديان والفلسفات والحضارات، تبقى متجانسة، وربما مشتركة، وإن حملت أسماء مختلفة هنا أو هناك. هكذا لا تصبح مرجعية الأخلاق هي العلمانية أو الاستنارة أو الإلحاد، أو على العكس التدين والتشدد وصولاً إلى التطرف وربما الإرهاب، بل تصير هي الروح الفاضلة، تلك التي تزكي ضمير الإنسان الباطن، وتمنحه القدرة على الرضا بأقداره والعيش بما يملك بدلاً من الطمع فيما لا يملك. فإذا ما رضي سمت روحه وتحررت من قبضة الدنيوية. أما إذا كانت الروح حانقة، معتمة، فالأغلب أن يتبرم من حظوظه ويرفض أقداره، ويطمع فيما يملك الآخرون، الأمر الذي يبعث السخط في النفوس ويذكي الشر في العالم.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة