في مختلف إدارات الموارد البشرية وأقسام التوظيف، توجد أوراق مدونٌ فيها وصفٌ لكل وظيفة من الوظائف، بل في درج بعض الموظفين وصفٌ لوظيفتهم. ومعظم هذا الوصف كُتِبَ منذ سنوات، ولو قُدِّر لأي موظف أن يراجع الوصف الوظيفي لمهنته عندما التحق بعمله، لوجد أن هناك فقرات كثيرة لم تعد جزءاً من طبيعة عمله، وأن هناك مهام مدونة في الوصف لم تعد موجودة فعلاً على أرض الواقع.
هناك عدة أسباب لمثل هذه الحالة، ومنها أن الوصف الوظيفي قد لا يكون كُتِبَ من أجل وصف العمل وآلياته، بقدر ما كان طريقة لتكون مقياساً لجوانب إدارية كتحديد الدرجة، أو الربط بالراتب الشهري، أو حتى فتح باب التوظيف، وهذا يعني أن هذا الوصف وثيقة تنظيمية وليست مرآة عن الواقع. ولكن هذه الحالة كانت مقبولة لأن التغيرات في طبيعة العمل في تلك السنوات كانت بطيئة، أما في هذا العصــر فإنها تكون خطأً جسيماً.
تقرير مستقبل الوظائف، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2025، والذي تم بناؤه على استطلاع أكثر من ألف جهة توظيف حول العالم، بيّن أن أصحاب الأعمال يتوقعون تغيّر تسعة وثلاثين في المئة من المهارات الأساسية للعاملين بحلول عام 2030، وهي نسبة كبيرة.
وهذا يعني أن المسمى الوظيفي سيبقى، لكن الذي سيتغير ويتبدل هي المهام. على سبيل المثال: المحاسب سيبقى محاسباً، لكن نصف يومه سيكون عملاً في جانب مختلف، والمسؤول عن خدمة العملاء سيبقى في موقعه، لكن مهامه ستتغير، وغيرهما كثير.
والذي يحدث أن الإدارة تتم بالمسميات، بينما العمل يركز على المهام، والمسميات والمهام جوانب مختلفة وبينهما تحدث فجوة وتتسع كل عام.
بطبيعة الحال لا أدعو لإلغاء مسميات الوظائف؛ لأنها جزء من العمل، ومهمة ليتمكن الإنسان من وصف عمله: مهندس، ممرض، معلم، وغيرها، لكن الهدف الوعي بأن هناك بعض المسميات لا تنطبق على المهام الفعلية، ويجب تحديثها، بل وتحديث الآليات والمنهجية. الوظائف لن تختفي كما نسمع ويقال، بل هي تتبدل في هدوء وبتدرج، ولا نشعر بتلك التغيرات؛ لأننا ما زلنا ننظر إلى تلك المسميات كعنوان عام، ومنها نعتبر أن لا شيء يتغير، لكن من المهم فعلاً مراجعة المهام وتطويرها وتحديثها.
تبقى المسميات جانباً، والمهام جانباً آخر مختلفاً.
