لماذا الموسيقى السيمفونيّة ضروريّة للأذن العربيّة؟ الأجوبة بانوراما. نشأ سمعنا على الطرب. من معاني الطرب لغويّاً، الحركة، أي ما يجعل الرأس كرقّاص الساعة الحائطية القديمة، واليد والقدم توقّعان. من العسير أن تطرب أذن ابن أربعين للحركة الأولى من السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، من دون أن يكون قد تربّى على الموسيقى الكلاسيكية، قبل ذلك بعقود. عند النفاق، سيتصنّع الاستمتاع. قبل سنين ذكر القلم أن فيلسوف التربية الفرنسي، آلن، يقول عن الرضيع: «أسمعوه شعر بودلير وموسيقى بيتهوفن في المهد»، وعلينا أن نُسمعه القرآن وروائع شعرنا الكلاسيكي وبدائع الموسيقى السيمفونية، في المهد.
نتيجة تلك النشأة الموسيقية الناقصة، ظهرت تلك العبارة الشوهاء، التي تصف الموسيقى المستقلة عن الكلمات، بأنها «موسيقى صامتة»، قولوها بلا خجل: موسيقى خرساء، بكماء، أنغام أنعام. كيف تستطيع هذه الأذن الصبر على «السوناتا في سي مينور»، لفرانز ليست، الذي هو أسطورة أساطير تاريخ البيانو؟ الحل بسيط: عندما يزدان الفراش بقدوم الوليد، يستعين الوالدان بيوتيوب، ففيها مكتبة موسيقى سيمفونية تكفي لمئات السنين. اكتب: موسيقى سيمفونية للرضيع، واغرف ما شئت من البحر. سيكتسب ذوقه جهاز مناعة فيه صيدلية مضادات للهبوط. من دون مراعاة للسن، أسمعوه روائع الموسيقى العربية، وأعمالاً متميّزة من الموسيقى المستقلة (الخرساء)، لآلات شتى من العالم. انسوا التربية التقليدية، فالذوق الرفيع يُبنى قبل الثالثة. يستطيع الطفل تذوّق ألوان شتى من الموسيقى العالمية. لكن يصعب استيعاب الموسيقى السيمفونية بعد الثلاثين. من السهل إعداد قائمة بالأغاني الهابطة، لكن، من المحال البحث عن سيمفونيات هابطة. هنا ستبحث عن الأعمال غير الفائقة في البناء والإبداع. الأساس المتين يقوم عليه صرح شامخ. المعايير نفسها في الأعمال العربية القممية: عندما يجتمع شوقي والسنباطي وأم كلثوم، والرحابنة وفيروز، فأبواب البقاء على مصاريعها.
أخطر فخ هو توهّم أن في الموسيقى السيمفونية تنكّراً للأصالة العربية. ذلك وهم الأوهام. تأمّل الثمار التي جنتها اليابان والصين، من مناهل الموسيقى السيمفونية، مع الحفاظ على الأصالة. لا يمكن تطوير موسيقانا بأساليب جادّة رفيعة، تحلّق بالفن لدينا في فضاءات سامية، ترتقي بالفكر والروح، إلا بالبحث العلمي عن أشكال وأجناس جديدة، تعتق الذوق العربي من إسار الشكل الوحيد، الأغنية.
لزوم ما يلزم: النتيجة الإيقاظيّة: متى نسمح لموسيقانا وآلاتنا بحرّيّتي الفكر والتعبير؟ أليس الصبح بقريب؟
