هل تذكر أيام مجلة «العروة الوثقى»، عندما كان محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، في باريس، مطلع القرن العشرين؟ أيامَها أطلق الشيخان صرخة «إفلاس الفقهاء»، مطالبيْن بمواكبة العصر في مجالات شتى. أمّا مقصدنا فهو شيء آخر، إنه إفلاس الموسيقيين العرب. ليس مهمّاً على الإطلاق أن يزعجهم ذلك، فالذوق العام لدى مئات الملايين العرب، فوق كل اعتبار، ولا يقاس بمدى رضا المشتغلين بهذا الفن أو سخطهم.
موسيقانا العربية في الخمسين سنةً الماضية،كحد أدنى، لم تأت بأيّ جديد تطويري يذكر، وما حدث هو مأساة فنية بكل ما يمكن أن تحمله الكلمة من سلبيات الفقر والإملاق.في إمكان أيّ جهة متمكنة متخصصة، أن تنظر بحثاً ودراسةً في هذه الأحكام. بدلاً من نمو الإبداع خلال نصف قرن، بظهور أساليب وأجناس جديدة، انهارت جميع المقاييس ومنظومات القيم الثقافية والفكرية والفنية، في الشكل الوحيد المفروض على مسرح الذوق العربي، وهو الأغنية. ماذا لدينا غير الأغنية؟ حتى هذا الشكل الوحيد انحرف 180 درجةً عن الجادة العربية.
مثلاً، كنا ننتظر أن يسعدنا بزوغ أشكال تكون امتداداً طبيعياً للأساطين: السنباطي، عبد الوهاب، زكريا أحمد، مثلما فعل الرحابنة، أتوا بصور مختلفة للأغنية، مع إبداع الكلمة الفصيحة، لحنوا كلمات عامية هي شعر محض، لسعيد عقل روائع فيها:«يارة الجدايلها شقر..فيهن بيتمرجح عمر»، ولغيره الكثير «أسامينا»،«الأبواب». نماذج الانحراف التقزيمي كثيرة، مثل أغاني الراب.هل هذه المجازفات بقيم الفن، الذي يحترم هويته الفنية الثقافية،في رأي أصحابها نمو طبيعي لما أبدعه الكبار بين العقدين الثالث والسادس الماضيين؟
إذا كان التقليد والانقياد مطلبيْن عزيزيْن لديهم، فلمَ لم يقلدوا أندريا بوتشيلي، مثلاً الذي أعطى الأغنية أبعاد الأداء الأوبرالي، فجاء المزيج زاخراً فاخراً، ومضى في بحر الإبداع ماخراً؟ إذا كان ملحنونا ومطربونا استغنوا في الموسيقى عن سبل التطوير والتجديد، بالفساتين التي تكسر الدنيا والبنطلونات الجلدية اللمّاعة، فلعل دور الأزياء أوفر حظاً لهم. أمّا أن يتصوروا أن ظهورهم في لجان تحكيم المواهب سيجعل شأنهم عند الجماهير عظيماً، فهذا منال بعيد.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفكرية: الفن الرفيع رافعة للذوق العام. بصراحة لديهم صعود، لكنه إلى الهاوية. العمود في جواب الجواب.
