منذ إعلان ترشح لانا نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، ظهرت صورتان متناقضتان، حملة تحمّلها كل ما تختلف عليه مع دولة الإمارات، وحماسة تتوقع منها، قبل وصولها، إنهاء الحروب وإعادة بناء المنظمة.. وبين الهجوم والتوقعات المبالغ فيها تضيع حقيقة أساسية وهي أن الأمين العام ليس حاكماً للعالم.
وفق ميثاق الأمم المتحدة، الأمين العام هو المسؤول الإداري الأول للمنظمة.. تعيّنه الجمعية العامة بناء على توصية مجلس الأمن، ويستطيع استخدام مساعيه الحميدة، ولفت نظر المجلس إلى الأخطار التي تهدد السلم والأمن، وإرسال المبعوثين، واقتراح المبادرات وبناء التوافقات.. لكنه لا يستطيع فرض السلام على أطراف لا تريده، أو نشر الجيوش من دون تفويض، أو إلغاء أجهزة أنشأها الميثاق.
هذه الحدود لا تنتقص من أهمية المنصب، بل توضح نوع القيادة المطلوبة، فهي قيادة تعرف كيف تحوّل المساحة المتاحة لها إلى فرصة للحركة.. وهنا تملك لانا نسيبة ما يبرر أخذ ترشحها بجدية.. فقد أمضت أكثر من عقد في أروقة المنظمة، مندوبة دائمة للإمارات بين 2013 و2024، وشغلت منصب نائب رئيس الجمعية العامة، وترأست المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة.. كما قادت مشاركة الإمارات في مجلس الأمن خلال عضويتها عامي 2022 و2023، وترأست المجلس مرتين.
وخلال الأيام الماضية استمعت وقرأت أفكاراً طموحة عما يمكن أن تفعله نسيبة إن وصلت إلى المنصب... تسويات في اليمن والسودان وقبرص ولبنان، ووساطة بين الولايات المتحدة وإيران، وإصلاح قوات حفظ السلام، وإعادة هيكلة أجهزة المنظمة، والطموح مطلوب، لكن هذه الأفكار تحتاج إلى وضعها في إطارها القانوني والمؤسسي.
في اليمن، يستطيع الأمين العام تنشيط الوساطة ودعم تسوية تستند إلى المرجعيات المعروفة وتجمع الأطراف، لكنه لا يقرر انضمام اليمن إلى مجلس التعاون، فهذا قرار يخص اليمن ودول المجلس..
وفي السودان، تستطيع الأمم المتحدة العمل مع الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية لوقف الحرب وفتح الطريق أمام حكم مدني، لكنها لا تستطيع تنحية قادة الطرفين أو اختيار حكومة للسودانيين.. وفي قبرص، حيث توجد مساعٍ حميدة للأمين العام، التسوية تظل مرهونة بقبول الطرفين. ذلك هو الفارق بين فتح الباب وإجبار الآخرين على عبوره.
أما فكرة إنشاء قوة تدخل سريع من خمسين ألف جندي ينشرها الأمين العام ستة أشهر قبل العودة إلى مجلس الأمن، فليس متاحاً في النظام الحالي.. الأمم المتحدة لا تملك جيشاً دائماً، ونشر قوات حفظ السلام يحتاج إلى تفويض من مجلس الأمن، وقوات تقدمها الدول، وميزانية تعتمدها الجمعية العامة.. يستطيع الأمين العام تحسين الجاهزية وسرعة الانتشار ومراجعة أداء البعثات، لكنه لا يستطيع تجاوز المجلس.
كذلك، لا يملك الأمين العام إلغاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي أو مجلس الوصاية، فهما من الأجهزة الرئيسية التي أنشأها الميثاق...
أما الفكرة التي يطرحها البعض بأن تقدم الإمارات تمويلاً لمكتب الأمين العام فتحتاج إلى حذر، فمن حق الإمارات أو أي دولة أخرى دعم الأمم المتحدة عبر قنوات رسمية وشفافة، لكن استقلال الأمين العام يجب ألا يكون موضع شك.
وهذا هو اختبار نسيبة إذا فازت، أن تنتقل من تمثيل دولة إلى تمثيل منظمة، وأن تثبت أن خبرتها الإماراتية والعربية تمنحها فهماً أوسع للعالم ولا تقيدها بموقف واحد، وهذا ما أعتقد أن نسيبة قادرة عليه.
حتى مساء 31 أكتوبر، أعلنت 25 دولة تأييد ترشحها، بعد انضمام العراق.. ومن أبرزها مصر والأردن وفلسطين والمغرب والبحرين ولبنان واليونان وقبرص وكازاخستان وأوزبكستان وألبانيا، إلى جانب الدعم الجماعي لمجلس التعاون.. ورحّبت إثيوبيا بترشحها من دون إعلان صريح بالتأييد.. ويمنح هذا التنوع ترشحها زخماً، لكنه لا يحسم السباق، فلم تعلن أي من الدول الخمس دائمة العضوية تأييدها رسمياً، وبريطانيا لم تحسم موقفها علناً رغم تقارير عن ميلها إليها.. والكلمة المفصلية تبقى لمجلس الأمن، حيث يستطيع أي عضو دائم تعطيل التوصية.
من الطبيعي أن تواجه نسيبة أسئلة صعبة، خصوصاً عن السودان واستقلال الأمين العام والإصلاح المؤسسي.. ومن حق منتقديها مساءلتها، لكن المساءلة شيء وتحويل الاتهامات السياسية إلى أحكام نهائية شيء آخر.. فالمرشح يُقاس بسجله ورؤيته وإجاباته، لا بجنسيته أو بكونه امرأة عربية.
لذلك يبقى السؤال مشروعاً، لماذا لا تكون لانا نسيبة أميناً عاماً للأمم المتحدة؟ ليس لأنها إماراتية، أو لأنها ستصبح أول امرأة تتولى المنصب، أو لأن انتخابها إنجاز عربي، بل لأنها تملك خبرة حقيقية ورؤية تستحق الاختبار.. فإذا استطاعت تحويل الخبرة إلى ثقة دولية، والطموح إلى برنامج واقعي، والاستقلال إلى ممارسة واضحة، فسيكون ترشحها أكثر من خطوة رمزية.. سيكون فرصة لمنظمة تبحث عن قيادة تعرف حدود قوتها وكيف توسعها.
* كاتب صحفي
