جاءت الانتخابات التشريعية التي أجريت في إسرائيل، مؤخراً، لتكشف عن جوهر الديمقراطية الإسرائيلية وتناقضاتها الهائلة التي لطالما اختبأت وراء دعاية مضللة تدعمها آلة إعلامية ضخمة عملت كل ما بوسعها على تحدي الانتقادات الداخلية والخارجية، على حد سواء.
على مدار العقود الماضية حاولت إسرائيل أن تبني لنفسها صورة الضحية في محيط همجي، وإظهار نفسها أنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، التي تتماهى مع قيم الغرب، والتي تحكمها القوانين والمؤسسات، والتي لديها نظام يقوم على الفصل بين السلطات، حتى باتت توصف بأنها «واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط».
ولكن هذه الصورة ومعها السردية الإسرائيلية كلها، بدأت تتآكل في السنوات الثلاث الأخيرة، في ظل حرب الإبادة في غزة والإرهاب الاستيطاني في الضفة الغربية، إذ كيف يمكن أن تتصالح الديمقراطية مع الاحتلال والحرب والتجويع وانتهاك القوانين والمرجعيات الدولية، والاستيلاء بالقوة على حقوق وأرض ومقدسات شعب آخر؟
قد يكون هجوم «7 أكتوبر» غيّر الكثير من المفاهيم والقناعات وأحدث انقساماً حاداً داخل المجتمع الإسرائيلي حول المسؤوليات عن الإخفاق في التصدي للهجوم، وحول اليوم التالي للحرب على غزة، لكن الانقسام كان موجوداً من قبل، على الرغم من جنوح المجتمع الإسرائيلي بأغلبيته الساحقة نحو اليمين، فالتمييز بين اليهود الشرقيين والغربيين كان قائماً منذ أن تأسست إسرائيل، وكذلك الانقسام بين العلمانيين والمتدينين، ولاحقاً جرت محاولات لتغيير النظام القضائي، وهناك خلافات حول تجنيد «الحريديم» وغير ذلك، أي أن الديمقراطية الإسرائيلية كانت ملأى بالشوائب والثغرات، ومع ذلك يمكن اعتبارها جزءاً من اللعبة الديمقراطية نفسها.
غير أن المسكوت عنه في اللعبة الديمقراطية أنها تقتصر على اليهود وحدهم، وليس على الإسرائيليين ككل، ذلك أن فلسطينيي الداخل يوصفون بأنهم «عرب إسرائيل» ويحملون الجنسية الإسرائيلية، وعلى هذا الأساس تم السماح لهم بالترشح والتصويت في الانتخابات وفق القوانين الإسرائيلية.
ما كشفته الانتخابات الأخيرة، هو أن الصوت العربي تحول إلى «بيضة القبان» مع حصول الأحزاب العربية على 19 مقعداً، مقابل 53 لليمين و48 للمعارضة، وبالتالي بات يرجح كفة هذا الفريق أو ذاك، وهو ما ترفضه الديمقراطية الإسرائيلية، إذ سرعان ما تم شيطنة الأحزاب العربية واتهامها بسرقة الانتخابات وتوجيه الاتهامات لها بالتزوير والفساد وتلقي التمويل من الخارج وما إلى ذلك، لمنعها من القيام بأي دور في تشكيل الحكومة أو المشاركة في انتخاب رئيس جديد للكنيست وصياغة القرارات.
وقد نجح معسكر اليمين بزعامة نتنياهو في خلق رأي عام إسرائيلي يرفض تشكيل أي حكومة تعتمد على الأصوات العربية، بشكل مباشر أو غير مباشر، وبالتالي دخل تشكيل الحكومة في مأزق قد لا ينتهي إلا بانتخابات جديدة. لكن المأزق الحقيقي يكمن في الديمقراطية الإسرائيلية نفسها، التي تريد للمجتمع العربي أن يبقى مجرد ديكور لتزيين الانتخابات لا أكثر.
