الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ماذا يعني فوز الديمقراطيين؟

2 نوفمبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 2 نوفمبر 2026 00:03 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
ليست كل الهزائم تُخرج أصحابها من قصور الحكم، ولا كل الانتصارات تُدخل أصحابها إليها. فقد يبقى الرئيس في مقعده ويفقد بعض مفاتيح سلطته؛ وقد تربح المعارضة صناديق الاقتراع دون أن ترث مفاتيح الدولة. وبين رئيس لا يسقط وأغلبية لا تحكم، تقف واشنطن أمام سؤال أكبر من الانتخابات: هل تستطيع المؤسسات أن تضع حدوداً لمن يقودها، أم أن السلطة حين تتسع تضيق بها المؤسسات التي أنشأتها؟
غداً، لا ينتخب الأمريكيون رئيساً، بل كونغرساً في منتصف ولايته: مجلس نواب من 435 مقعداً يُنتخب كاملاً كل عامين، ومجلس شيوخ من مئة مقعد يُجدَّد نحو ثلثه كل عامين. يتقاسمان التشريع والتمويل والرقابة، وينفرد الشيوخ بالموافقة على كبار التعيينات والمعاهدات. هكذا وزّع الآباء المؤسسون القوة، خشية أن يأتي يوم يصبح فيه صاحب السلطة أوسع من حدودها.
ولم تعد السماء الديمقراطية صافية عبثاً. فتراجع شعبية ترامب، وغلاء المعيشة، والرسوم الجمركية، والحرب على إيران، أعادت تشكيل المزاج الانتخابي. والموجة الزرقاء، إن جاءت، قد تكون عقاباً للإدارة بقدر ما تكون تفويضاً لمعارضيها؛ وهذا فرق سيحدد قدرتهم على الحكم. ويرجح «إنسايد إلكشنز» مكاسب ديمقراطية بين عشرين وثلاثين مقعداً في النواب، وأربعة وستة في الشيوخ؛ فيما يحتاج الحزب إلى ثلاثة مقاعد صافية لانتزاع الأول وأربعة للثاني. لكنها توقعات لا نتائج؛ فالاستطلاعات تقيس اتجاه الريح، ولا تقرر أين ترسو السفن. 
فماذا لو تبدلت الأغلبية؟ وأي سلطة يمكن انتزاعها من رئيس لم يخسر رئاسته؟
إن فاز الديمقراطيون بالنواب أُغلق أمام ترامب طريق التوسع التشريعي المنفرد في الضرائب والهجرة والرعاية الصحية. لكن المعركة الأعمق ستكون على المال؛ إذ يستطيع المجلس رفض اعتمادات جديدة، وفرض شروط على التمويل بالتوافق التشريعي، وتحويل الموازنة إلى ورقة تفاوض قد تنتهي بإغلاق حكومي، وإن كان سلاحاً يصيب المواطنين قبل أن يحسم الخصومة. وستكون توسعات وكالة الهجرة والجمارك «ICE» هدفاً للرقابة والمساومة، 
أما مجلس الشيوخ، فهو الجائزة الأشد أثراً في شرايين الإدارة. فالوزراء والسفراء وكبار المسؤولين والقضاة الفيدراليون يحتاجون إلى موافقته بأغلبية بسيطة. وإذا أصبح ديمقراطياً، أمكنه تعطيل الترشيحات وإجبار البيت الأبيض على التفاوض أو اللجوء إلى ترتيبات مؤقتة مقيدة بالقانون. هنا لا يُمنع الرئيس من إصدار الأوامر، بل قد يُمنع من اختيار الرجال الذين ينفذونها. والأبعد أن تعطيل التعيينات القضائية قد يحرمه من تشكيل إرث يمتد بعد ولايته؛ فالقضاة يبقون حين يغادر الرؤساء. كما يستطيع الشيوخ تعطيل التصديق على المعاهدات، وإن لم تشمل سلطتهم كل اتفاق دولي.
وإذا اجتمع المجلسان تحت أغلبية ديمقراطية انفتحت جبهتا رقابة متوازيتان: لجان تحقيق، واستدعاءات، ومطالبات بالوثائق، وجلسات مساءلة حول الهجرة والإنفاق والحرب على إيران. وقد يواجه وزير الدفاع بيت هيغسيث تدقيقاً أشد، لكن التحقيق لا يعني الإقالة؛ فعزل مسؤول مثبت وإدانته مسار دستوري مختلف. وحتى ترامب نفسه، يستطيع النواب اتهامه بالأغلبية، لكن إبعاده يتطلب إدانة ثلثي الشيوخ الحاضرين. وهكذا قد تكون المساءلة ممكنة، بينما يبقى العزل بعيد المنال.
وللديمقراطيين خطة تتجاوز الاعتراض. يعدّ حكيم جيفريز للمئة ساعة الأولى ضمن أجندة مئة يوم: تخفيف كلفة الحياة والمساءلة؛ من إعفاءات التأمين الصحي وتخفيضات «ميديكيد»، إلى السكن والغذاء والطاقة والرسوم الجمركية وصلاحيات حرب إيران. لكن بين التصويت وسنّ القانون يقف فيتو الرئيس؛ وقد تتحول الوعود إلى امتحان علني لحدود الفوز.
ولن يكون ترامب المحاصر داخلياً ضعيفاً بالضرورة خارجياً؛ فهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وصاحب صلاحيات دبلوماسية وعسكرية واسعة. يستطيع الكونغرس منازعته تمويل الحرب وشرعيتها، لكنه لا ينهيها تلقائياً بأغلبية عادية.
وقبل يناير، نافذة «البطة العرجاء»، أي من اقتراع نوفمبر حتى انعقاد الكونغرس الجديد في الثالث من يناير، تبقى الأغلبية الجمهورية، وينتهي التمويل المؤقت في 11 ديسمبر. قد تتسارع التعيينات والتسويات والتشريعات الأخيرة؛ فتكون أيام الأغلبية الراحلة أشد إنتاجاً من شهور خلفها.
ثم يأتي 2027 بثلاث جبهات: استنزاف الميزانيات، وتمهيد معركة 2028، وانتقال الخصومة إلى القضاء. الأوامر التنفيذية لا تسقط تلقائياً، وقد تتكاثر حين ينسد التشريع؛ والاستدعاءات قد تجر نزاعات حول الامتياز التنفيذي وحدود الرقابة. يصبح السؤال مَن يكتب القانون، ومَن يفسّره، ومَن يُلزم السلطة باحترامه.
إن فاز الديمقراطيون فلن يحكموا واشنطن، لكنهم قد يسحبون من ترامب القدرة على حكمها وحده. غداً لن يظهر اسمه على ورقة الاقتراع، لكن حدود سلطته ستكون في كل صندوق. فالرؤساء يعبرون ممرات التاريخ، والدساتير تُختبر حين تُقال للحاكم كلمة «لا». ولعل انتصار الجمهورية لا يكون في إسقاط رجل، بل في إثبات أنها أقوى وأبقى من جميع الرجال.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة