عندما يرمي الطفل لعبته، تُثار علامة استفهام عند الأم أو الأب، فاللعبة ثمينة، ولكنه سرعان ما أهملها، أو عندما يتذمر الطفل ويعبر عن الملل، وغيرها من الممارسات الطفولية، فهذا يُعتبر فعلاً استفزازياً من الطفل تجاه أبويه، لكنه في الحقيقة لا يعرف مفهوم الاستفزاز ولا يتعمده، ومع هذا فإن ردة الفعل تتباين تبعاً لثقافة ومعرفة الوالدين، فالبعض يسارعون في المعاقبة، مع الأسف، وفي حقيقة الأمر، فإن هذا الطفل تلقى عقاباً دون أن يعرف الخطأ الذي وقع فيه.
أما البعض الآخر، فتكون ردة فعلهم مختلفة تماماً وعكسية، حيث يسارعون لشراء لعبة جديدة أو محاولة إشغال طفلهم بنشاط ترفيهي، لتسليته والترويح عنه. ودون شك أن الرد العقابي خطأ، والرد الترفيهي خطأ. وهما نتاج طبيعي هدفه العناية والحرص، لكنهما انطلقا من مفهوم خاطئ، يريان في تعبير الطفل أو ملله سلبية أو تعطّلاً ذهنياً من المهم علاجه، بينما يقول علماء النفس والتربية: «إن الملل المؤقت ليس مشكلة ينبغي طمسها، بل هو نعمة غالية وشرط أساسي لنمو الدماغ وبناء الشخصية؛ إنه المساحة الحرة الوحيدة التي تتيح للطفل أن يلتقي بذاته ويكتشف إمكاناته الدفينة».
لذا، من المهم منح الطفل مساحة للتعبير عما يجول في ذهنه، وأن نتركه يواجه الملل ويعالجه بالطريقة التي يراها مناسبة له، لأن في هذا منحه فرصة لإيقاظ القوة الذاتية، إن صح التعبير، وأن نجعل من ملل أطفالنا سبباً لتحفيزهم نحو الفضول وتنمية هذا الفضول في وجدانهم، لأن الفضول دافع قوي نحو الابتكار. وما نعتبره وقتاً مهدراً، أو وقتاً ضائعاً، بسبب الملل، قد يكون الوقت المناسب لنمو الخيال، الذي يتشابك مع الواقع فتظهر الأفكار والتساؤلات التي نجدها غريبة.
يجب على كل أم وأب ألا ينسيا أن الأفكار الإبداعية، وأبرز الابتكارات، والقدرة على التأليف والكتابة، دائماً ما كانت تولد في لحظات الهدوء، في تلك اللحظات التي وجد فيها الإنسان فراغاً في وقته، فقرر ملأه بأفكار كانت ملهمة وغير اعتيادية. والعلم يدعم هذا التوجه، فالدراسات السلوكية تبين «أن الأطفال الذين أُتيحت لهم فرصة اختبار الملل والتغلب عليه بمفردهم، يطورون قدرات أعلى بكثير في التنظيم الذاتي وحل المشكلات».
الأطفال يحتاجون للحماية بطبيعة الحال، لكنهم يحتاجون لمنحهم مساحة للتعبير عن مللهم، وأن يتولوا هم بأنفسهم معالجة هذا الملل، دون تدخل مباشر من الوالدين. لندع عقولهم الصغيرة تتنفس، ولنمنح خيالهم الفرصة للانطلاق.
