في أحد أيام شهر ديسمبر عام ،1955 ركبت الأمريكية السوداء روزا باركز حافلة عامة في ولاية ألباما الأمريكية، وعندما توقفت الحافلة في المحطة التالية، ركب أمريكي أبيض، وطلب من باركز أن تقوم ليجلس هو في مكانها، باعتباره أبيض وهي سوداء، فرفضت، فاستدعى رجال الأمن الذين اعتبروا رفض باركز القيام من مكانها جريمة، وتم إلقاء القبض عليها، وانتشر الخبر بين السود، حيث اندفعت مظاهرات ومسيرات غاضبة في كل الولايات الأمريكية، منذرة بردود فعل قوية ودموية، واستغل القس مارتن لوثر كنج الذي كان يناضل لسنوات طويلة من أجل حقوق الأمريكيين
السود، هذا الوضع، وطالب برد الاعتبار لهذه الفئة من المواطنين، ونجح في تسجيل أصوات 5 ملايين أسود ضمن قوائم الانتخاب، في حين ترددت بعض الولايات في منح السود حقوقهم الانتخابية، وفي بداية عام ،1965 طالب كنج الرئيس الأمريكي جونسون بإعطاء السود حقوقهم الكاملة، فما كان من السلطات الأمريكية إلا أن قامت باعتقاله هو و300 من انصاره في الأول من فبراير عام ،1965 ثم قام أحد المتطرفين البيض باغتياله عام 1968(1)، هذه الأحداث جرت في أمريكا قبل 44 عاماً، وهي فترة ليست بعيدة، وتبين بوضوح مشاعر الأمريكيين البيض تجاه السود، اختلف المشهد تماماً في العشرين من يناير ،2009 عندما احتشد أكثر من مليوني أمريكي من البيض والسود وغيرهم في حديقة ناشيونال مول بواشنطن للاحتفال بتنصيب أول رئيس أسود لأمريكا، حيث أدى باراك أوباما القسم الدستوري أمام رئيس المحكمة الدستورية العليا، وتساءل ملايين الناس الذين شاهدوا مراسم الاحتفال عن أسباب التغير الجذري في عقلية الأمريكيين الذين كانوا يعتبرون السود مواطنين من الدرجة الثانية وما الذي جرى بحيث تتغير النظرة خلال سنوات قليلة، ويصبح رجل أسود، ليس مسؤولاً كبيراً في الإدارة الأمريكية وإنما رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية؟
اليأس يقلب الموازين: هناك مثل خليجي يقول: من شبع تبصّر، ومن جاع قلّت أبصاره والمقصود بذلك أن الإنسان عندما يكون غنياً ومرفهاً لا يهتم بالصغائر، وينظر دوماً إلى الأشياء الكبيرة ويحاول أن يضيف إلى رصيده المالي، رصيداً معنوياً كالظهور الإعلامي والتبرع لبعض المؤسسات والخ، أما عندما يجوع الإنسان فإنه يصبح كالأعمى لا يرى سوى شيء واحد، وهو كيف يوفر لقمة العيش له ولأبنائه، ولو طبقنا هذا المثل على ما ذكر أعلاه، فعلى الأغلب، فمشاعر الأمريكيين لا يمكن أن تتغير بهذا الشكل الجذري خلال ثلاثة أو أربعة عقود، بحيث يصبح الأسود الذي كان لا يحق له الانتخاب، رئيساً للبلد، ولكن الظروف الاقتصادية والاجتماعية بين منتصف الستينات والآن تغيرت في أمريكا، فالأمريكي في تلك الفترة كان يضرب به المثل في الرفاهية والغنى، وكان شخصاً محسوداً من كل الجنسيات التي يتمنى أبناؤها أن يصلوا إلى أمريكا ويعيشوا في تلك الرفاهية، فالأمريكي كان يملك منزلاً وسيارة وعملاً، وكانت الأفلام الأمريكية في تلك الفترة تعكس تلك الصورة الزاهية، ولذلك، كان الأمريكي الأبيض ينظر لنفسه على أنه الأفضل من كل الجنسيات والأجناس الأخرى فهو يعيش في بلد مرفه وغني وديمقراطي، فمن هم هؤلاء السود حتى يتساووا معه، ولذلك تم اعتقال مارتن كنج لمجرد مطالبته بحقوق أبناء جلدته، ولكن الآن الوضع تغير، فالأمريكيون رأوا بأعينهم ما فعلته سياسات بوش من دمار، فالطائرات العسكرية، تنقل أبناءهم بشكل يومي إلى أفغانستان والعراق وغيرها من مناطق الصراع، ليعودوا إما في توابيت، أو معوقين، أو مصابين بانهيارات نفسية وعقلية، وازداد الدين على الحكومة الأمريكية، وارتفعت معدلات البطالة، وكانت الأزمة الاقتصادية خاتمة المطاف، وهنا أصبح الأمريكي لا يهتم بلون المرشح إن كان أبيض أو أسود أو غيره، ولا يهتم بأصله أو تاريخه، ولكنه يريد شيئاً واحداً وهو الخلاص من هذه المهن والكوارث، وانتشال أمريكا من هذا الوحل، ولذلك، فإن انتخاب أوباما كان تعبيراً واضحاً عن حالة اليأس، والأمل في هذا الشاب الذي بهرهم بخطبه الجميلة، وكلماته العميقة الدلالة، فهم يرون بلدهم يغرق ويريدون من ينقذه، ولذلك لم يكتف الأمريكيون بإعطاء أصواتهم لأوباما ليفوز بأغلبية ساحقة، وإنما حضروا من كل المدن الأمريكية وشاركوا في الاحتفالات ليعبروا عن بهجتهم، متمنين أن تتحقق أمانيهم لتعود حياتهم كما كانت من قبل، لحظات اليأس والأمل التي انتابت الأمريكيين عند انتخابهم لأول رئيس أسود، حدث مثلها وفي مثل هذه الظروف، عندما جرت الانتخابات الأمريكية أثناء سنوات الكساد العظيم، ففي عام ،1932 كان الأمريكيون مخيرين بين إعادة انتخاب هيربرت هوفر الذي لم يستطع انقاذهم من الأزمة الاقتصادية، أو انتخاب فرانكلين روزفلت الذي قدم لهم برنامجاً انتخابياً للانقاذ، فماذا حدث؟
روزفلت رئيساً لأمريكا عام 1933: نحن الآن في عام ،1932 وها قد مرت 3 سنوات على هيربرت هوفر وهو في الحكم، ويبدو واضحاً أن محاولات الإصلاح التي قام بها لم تجد نفعاً، فالأزمة الاقتصادية التي بدأت في اكتوبر ،1929 تحولت إلى كساد طويل، والناس الذين كانوا متفائلين في بداية الأزمة، من أن الأمور ستعود كما كانت خلال فترة قليلة، أصيبوا بالإحباط، كان فرانكلين روزفلت حاكم ولاية نيويورك ينظر إلى الإجراءات التي يقوم بها هوفر، ويدرسها، ويحاول الاستفادة من أخطائه، ووجد أن نقطة الضعف الرئيسية عند هوفر، عدم إعطاء أهمية كبيرة للطبقة الفقيرة التي تتسع قاعدتها مع مرور الأيام، وحاول أن يدغدغ مشاعر الشعب الأمريكي ببعض الخطب الحماسية التي يذكرهم فيها، بأهمية الاهتمام من قبل أي مرشح للرئاسة القادمة، بمطالب الفقراء، وعندما بدأت الحملات الانتخابية في منتصف عام ،1932 قال في خطبة حماسية أمام الجماهير في أبريل من ذلك العام إن إدارة الرئيس هوفر نسيت، أو أنها لا ترغب تذكر المشاة في جيشنا الاقتصادي، أن هذه الأيام البائسة تدعونا إلى الخطط التي تبنى من القاعدة وصعوداً، وليس من القمة ونزولاً، هذه الخطط التي تهتم بالإنسان المنسي في قاعدة الهرم، وفي صيف عام ،1932 كان فرانكلين روزفلت هو المرشح عن الحزب الديمقراطي للرئاسة الأمريكية، وفي نوفمبر من ذلك العام فاز روزفلت على هوفر محققاً نتيجة ساحقة(2)، فقد حصل روزفلت على 22،800،000 صوت مقابل 15،700،000 صوت لهوفر(3)، وفي حين أن الرئيس الأمريكي المنتخب يتسلم الرئاسة عادة في العشرين من شهر يناير من السنة الجديدة، فإنه في تلك الفترة، كان الشهر الذي يصبح فيه الرئيس المنتخب في سدة الحكم هو شهر مارس، وفي يوم السبت 4 مارس 1933 وهو يوم تقلد روزفلت مقاليد السلطة، وبينما كانت الملايين مصغية إلى المذياع، ألقى روزفلت واحدة من أهم خطب التنصيب التي لم تبرح ذاكرة الناس، فقد بدأ روزفلت خطبته قائلا: اسمحوا لي بأن أؤكد إيماني الراسخ بأن الشيء الوحيد الذي يجب أن نخشاه هو الخوف نفسه، الهلع الذي لا يعرف اسماً ولا منطقاً ولا مبرراً والذي يعرقل الجهود اللازمة لقلب الانكفاء إلى تقدم وخلفت تلك الخطبة أثراً كالسحر في الشعب الأمريكي، وفي أول أسبوع من الخطبة، تسلم البيت الأبيض 450 ألف خطاب وبطاقة، ولم يكن هوفر يحتاج إلى أكثر من موظف واحد للإشراف على بريد البيت الأبيض، أما روزفلت فكان في حاجة إلى سبعين موظفاً.
البدء في الإصلاحات: يمكننا تشبيه عهد باراك أوباما بعهد فرانكلين روزفلت في حالة واحدة، ألا وهي تشابه الظروف التي وجدا عليها أمريكا عند تقلدهم الحكم، فأوباما أتى للحكم ليجد بلداً يبلغ دينه 12 تريليون دولار، وتستنزف ميزانيته في حروب خارجية، ويملك عداوات لا حصر لها مع دول وجماعات مسلحة تتحين الفرص للانتقام، والأهم من كل ذلك، أزمة اقتصادية طاحنة تهز الأعمدة الرئيسية للاقتصاد الأمريكي، وتطيح بمصانعه وبنوكه ومؤسساته بشكل يومي، وهو وضع مشابه إلى حد ما بما وجد عليه روزفلت أمريكا عندما أقسم اليمين الدستورية في 4 مارس عام ،1933 فالأوضاع الاقتصادية سيئة للغاية، والأعمال التجارية هبطت إلى 60% عن الاعتيادي، وأصبح التصدير قريباً من أقل نقطة وصل إليها خلال 30 عاماً، وقدرت أعداد العاطلين عن العمل ما بين 13 - 17 مليون عاطل عن العمل، وأقفل 1400 بنك أبوابه خلال عام ،1932 وخلال الأسبوعين اللذين سبقا تنصيب روزفلت، أعلنت 21 ولاية على الأقل، وكذلك منطقة كولومبيا، إما عن تعليق عمل البنوك، أو السماح لبنوكها أن تعمل وفق تعليمات خاصة، وأثناء خطاب التنصيب، طلب روزفلت من شعبه المترقب والمتوتر أن يتحلى بالثقة والشجاعة، ووعد في جلسة خاصة للكونغرس أن يتعامل بشكل عاجل لحل المشكلات الصعبة وأعلن أن مهمته الكبرى والرئيسية هي إيجاد العمل للناس، كما أعلن شجبه للذين يتعاملون بطرق غير قانونية في الأمور المالية وأولئك الذين يضاربون بنقود الناس الآخرين.(5) ويبدو أن روزفلت نسي في تلك اللحظات الحماسية وهو يقول هذه الكلمات، أنه كان أحد الذين يضاربون بأموال الناس من خلال المجمعات المالية التي أنشأها هو ومجموعة من رجال الأعمال للمضاربة في سوق الأسهم في نيويورك قبل حدوث الأزمة، ولكن من يعرف ومن لا يعرف بذلك، لن يهتم كثيراً بالماضي، فالغرقى يتطلعون الآن إلى شيء واحد، ألا وهو طوق النجاة في هذه الظروف الحالكة، لقد جلب الرئيس الجديد جواً من الثقة المفرحة التي سرعان ما جمعت الناس تحت رايته، وبسبب جو الأمل الذي شاع في ذلك الوقت، شعر الناس أن تعاونهم مع الرئيس الجديد سينهي هذا الزلزال المدمر الذي قضى على كل شيء، ما عدا الأمل وسميت خطة روزفلت الانعاش الجديد، وتميزت هذه الخطة بسرعة قراراتها وسرعة تنفيذها، وأيضاً سرعة نتائجها، ولم يكن ممكناً تنفيذ تلك القرارات، وحصد تلك النتائج إلا بتوفر عناصر مهمة لنجاحها، أهمها التكاتف حول الرئيس، والهبة التي قامت بها الحكومة من خلال مجموعة من المسؤولين الأكفاء والمخلصين الذين وضعوا نصب أعينهم انقاذ البلاد من الكساد وعزم الناس على التعاون مع الحكومة في كل قراراتها، ولكن ماذا فعل روزفلت ؟ وما هي إصلاحاته؟ وكيف سارت الأمور؟ سنبدأ أولاً بالنظام المصرفي، وجهود روزفلت لترميم التصدع الذي أصاب هذا القطاع المهم والرئيسي.
(1) إصلاح النظام المصرفي: في اليوم التالي لأدائه القسم، دعا الرئيس الجديد فرانكلين الكونغرس إلى الانعقاد في جلسة خاصة، وأصدر أمراً إدارياً بموجب نص قانون التجارة مع العدو الذي يدعو إلى الريبة، والذي أقر زمن الحرب العالمية الأولى، بإغلاق كل مصارف البلاد إلى حين يفزع الكونغرس من جلسته، وعقد اجتماعات طارئة للمصارف الكبرى، وعملت وزارة الخزانة التي كان لا يزال معظم موظفيها من فريق الرئيس هوفر، مع المصارف بجد وحماس في الأيام القليلة التالية لإعداد قانون الإعانة الطارئة للمصارف.
وفي يوم الاربعاء 8 مارس ،1933 أي بعد أدائه القسم بأربعة أيام، عقد روزفلت أول مؤتمر صحافي له، حيث احتشد 125 صحافياً في المكتب البيضاوي، وعندما فرغ من عرض ملاحظاته التي أعدها مسبقاً، طفق الصحافيون بالتصفيق الجماعي، لقد أراد الشعب الأمريكي، ومنه الصحافيون، النجاح لروزفلت، ولهذا بالتحديد نجح روزفلت في مساعيه. لقد عرض مشروع المصارف على الكونغرس يوم الخميس 9 مارس، وأقره الكونغرس من دون تلاوته بتصفيق تهليلي بعد 38 دقيقة، واقره مجلس الشيوخ بمعارضة سبعة أعضاء فقط، وكلهم من أعضاء الولايات الريفية، ووقعه الرئيس قانوناً في مساء ذلك اليوم، وقد اجاز القانون ما فعله روزفلت قبلاً، ومنحه صلاحيات واسعة جديدة لتنظيم عمل النظام المصرفي، والصرف الأجنبي في المستقبل، وحدد يوم 13 مارس موعداً، تعيد فيه المصارف التي أعلنت ملاءتها المالية، فتح أبوابها، وفي يوم الأحد 12 مارس ألقى خطبة اذاعية له من داخل البيت الأبيض، وفي نبرة ارستقراطية أبوية، واعظة ومواسية، ابلغ الجمهور أنه عندما تعيد المصارف فتح أبوابها غداً، سيكون إيداع أموالكم في مصرف أعاد فتح أبوابه أكثر أماناً من تركها تحت الفراش، وصدقه الناس، وبدأ المال والذهب يتدفقان في اليوم التالي الى المصارف، وعاد قلب الاقتصاد الأمريكي ينبض من جديد. (6) ولو دخلنا في التفاصيل قليلاً، وتساءلنا عن القانون الذي أجاز ما فعله روزفلت قبلاً، فسنجد أولاً أن الاجراءات التي اتخذها روزفلت في 5 مارس ،1933 هو اعلانه عن تعليق دفع ديون البنوك، وبنفس الوقت أصدر قراراً بمنع سحب ونقل الذهب والفضة، وعندما اجتمع الكونغرس يوم 9 مارس، أي بعد اربعة أيام، تم تهيئة قانون الطوارئ للبنوك وتمت المصادقة عليه بسرعة، وهذا القانون أكد الاجراءات التي اتخذها روزفلت يوم 5 مارس، ومنح الرئيس سلطات عاجلة لتنظيم عمليات القروض، وتبادل العملة، والتبادل الخارجي، ومنح سكرتير الخزانة صلاحيات تجميع الذهب واصدار شهادات الذهب، وطلب من المراقب العام أن يعين خبراء متخصصين لكل بنك يلاقي صعوبة، ويحتاج الى إعادة تنظيمه، وقد أقر القانون لأعضاء نظام الاحتياطي الفيدرالي صلاحيات واسعة لغرض تقوية موقف البنوك المتعثرة عن طريق منح صلاحيات للمؤسسة المالية لإعادة الاعمار لشراء أو تسلم الأسهم المفضلة لهذه البنوك كديون جانبية، وبناء على هذه التعليمات، توقفت تأجيلات دفع الديون في 13 مارس ،1933 مما انقذ الملايين من المواطنين الذين كانوا يحاولون أن يعيشوا حياتهم الاعتيادية من دون نقود كافية. كانت السياسة المالية للعهد الجديد تقوم أساساً على تطوير النظام البنكي، ففشل 5 آلاف بنك خلال الفترة من 1930-1932 أوضح ضعف الهيكل الذي تقوم عليه السياسة السابقة للبنوك، وكشفت التحقيقات التي قامت بها لجنة مجلس الشيوخ حول البنوك والعملة عن مدى انحراف تلك البنوك في تعاملاتها المالية، حيث انغمرت في مضاربات الأسهم بقوة في عشرينات القرن العشرين مغامرة بأموال المودعين، ولذلك كان لا بد من اصدار قانون مالي صارم تقدم به اثنان من أعضاء الكونغرس وسمي باسمهما، حيث عرف هذا القانون الذي صدر في 16 يونيو عام 1933 بقانون جلاس - ستيجال. فما هو هذا القانون؟ (7)
ومن خلال قانون جلاس - ستيجال، تم انشاء مؤسسة تأمين ايداعات المصارف الفيدرالية التي قدمت ضمانات على إيداعات المصارف الأعضاء في نظام الاحتياطي الفيدرالي، ولبنوك الولايات المتحدة التي رغبت في المشاركة، وكان من ضمن مواد هذا القانون منع استعمال قروض بنك الاحتياطي الفيدرالي لأغراض المضاربة، وحددت تلك المواد كيفية تعامل البنوك الأعضاء في الاحتياطي مع الضمانات الأجنبية، واعتبرت مواد القانون قيام البنوك الخاصة بدور مزدوج وهو الإيداع، وبنفس الوقت القيام بدور الوكلاء المروجين للسندات المالية، تصرفاً غير شرعي، ووسعت من قوة البنوك الوطنية بالسماح لها بإنشاء فروع في الولايات المتحدة التي تسمح بالبنوك الفرعية. (8) وبذلك استطاعت تلك المصارف تنويع عملياتها عبر منطقة جغرافية واسعة، وبالتالي أن تنأى بنفسها عن التقلبات الاقتصادية المحلية، كتسريح شركة محلية كبرى العمال بأعداد كبيرة، ولكن قانون جلاس - سيجال ساهم كثيراً في اضعاف المصارف الكبرى المتنفذة بإجبار المصارف التي تقدم خدمتي حساب الإيداع وحساب الاستثمار معاً على اختيار خدمة واحدة من بينهما، وظلت شركة جي بي مورغان على سبيل المثال مصرفاً للإيداع، وتفرعت عنها شركة مورغان وستانلي وشركاهما، لقد كانت ثمة حاجة الى الفصل بين وظيفتي قبول الإيداعات والاستثمار في شركات مستقلة غير متداخلة، لأن مزاولة العملين تحت الإدارة نفسها كان مصدر صراع محتوم في المصالح، سبب تفاقم أزمة المصارف في مطلع الثلاثينات من القرن العشرين، وبعد تلك الاصلاحات، استقر النظام المصرفي الأمريكي، وصار قادراً على الوفاء بمتطلبات الاقتصاد والدولة، ومع ذلك استمر كأكثر الأنظمة المصرفية في العالم تعقيداً واستعصاءً على الفهم بسبب تداخل عمل الهيئات الاشرافية على مستوى الولاية والمستوى الفيدرالي. (9) وسنتابع في الحلقة المقبلة بقية الاصلاحات التي قام بها روزفلت للخروج من نفق الكساد الطويل.
هوامش
(1) برنامج ذاكرة الأيام، قناة الجزيرة الفضائية بتاريخ 1/فبراير/2010
(2) Erick Ranchway,
(3) An out line Of American History,P.180
(4) جون ستيل جوردن، امبراطورية الثروة، ص 163
(5) Harold Under wood Faulkneir American Political And Social History, PP.750-759.
(6) جون ستيل جوردن، م.س، ص 164
(7) Harold Under Wood Faulkner, lbid
(8) lbid
(9) جون ستيل جوردن، م.س، ص 168-171