شعرية المكان واللامكان

12:44 مساء
قراءة 4 دقائق

المكان ليس مجرد تشكلات جغرافية أو أفضية أرضية يولد فيها الإنسان ويموت، أو يتركها ويهجرها ويفارقها إلى ربوع أخرى سواءً قسراً أو اختياراً، بل المكان وتحديداً هنا مكان الشاعر، هو الفضاء الذي يسهم في تشكيل لغته وإيقاع لهجته وحتى تشكيل بنية جسده، هكذا تختلف أجساد الجبليين عن أجساد سكان الصحراء وسكان الحقول المديدة المفتوحة، في مقابل الجغرافيا الضيقة شبه المغلقة التي تتسم بها الجبال، على سبيل المثال .

إيقاع لهجات سكان الأمكنة الأفقية الصامتة مثل الصحراء وحركة أياديهم، أي لغة أجسادهم، تختلف عن إيقاع لهجات الأمكنة المكتظة بالمساكن العمودية التي تشي أحياناً بالعزلة، ولكن مع ذلك لكل من هذه الأمكنة المفتوحة والضيقة، الأفقية والعمودية جمالياتها وثقافتها، وحتى أصواتها .

صوت الإنسان هو جزء من هويته . الإفريقي له صوت مختلف عن صوت الأوروبي الاسكندنافي على سبيل المثال، والصيني له جسد وصوت ولهجة مختلفة كلها عن التكوينات الحركية والصوتية والايقاعية لشخص ولد وعاش على ضفاف البحر الكاريبي، والصوت البشري الذي هو إشارة من إشارات الإنسان في آسيا يختلف عن الصوت البشري عند سكان شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وحتى الأنهار الكبيرة التي نشأت على ضفافها حضارات وثقافات كبرى مثل النيل ودجلة والفرات أعطت سكان ضفافها أصواتاً مختلفة من نهر إلى نهر .

هل المكان هو الذي يستولد اللغة وصوت الإنسان وملامح جسده وحتى ملامح ثقافته وتفكيره وفلسفاته؟

نستطيع العثور على هذه الإجابة من خلال الشعر، وبالذات الشعر لأنه شكل من أشكال الغناء، أي أن الشعر هو صوت وإيقاع .

المكان رحم أخرى كبيرة للإنسان الكبير الذي خرج صغيراً من رحمه البشرية الضيقة والمعتمة .

المكان بمعناه الأرضي أو بمعنى الفضاء الأرضي يشكل صوت الإنسان ويشكل لغته، وبالتالي، يتدخل، إن جازت العبارة، أي هذا المكان، في تكوين الشعر، بوصف الشعر، كياناً أوسع وأكثر رحابة من اللغة، فالشاعر، بمخيلته الأكبر من الأرض أحياناً، يستعمل اللغة أو يوظفها لكي يكتشف أرضاً أخرى وأفضية مكانية أخرى تصبح كأنها واقعاً، رغم أن منشأ هذا الواقع هو خيال شعري .

المكان، بيت الشاعر، ووطنه، مسقط رأسه وقبره، مبتدؤه وخبره، بدايته ونهايته .

أمكنة شعراء الجاهلية الأولى مثل امرئ القيس، والمرقش الأكبر، وطرفة بن العبد البكري، والأفوه الأودي، والمرقش الأصغر، وعمرو بن كلثوم التغلبي، وغيرهم من الشعراء الذين نقرأ لهم أشعاراً تبدو أحياناً كأنها بلا أمكنة كما يبدو من مختارات أدونيس في ديوان الشعر العربي . . هي فضاءات شعرية مشدودة إلى ذاكرة المكان وطبيعته إلى درجة الولع بهذا المكان، ولذلك عندما يفقد مثل هؤلاء الشعراء أمكنتهم تتحول بالنسبة إليهم إلى أطلال ينسكب عليها الكثير من الدموع .

بعض شعراء تلك الأمكنة لا يُعرف تاريخ ميلاده، بعضهم وربما أكثرهم قبل الجاهلية وقبل ظهور الإسلام، ولكن إذا كان الشنفرى وهو من أكثر الشعراء حضوراً في الذاكرة العربية قد توفي في 525 ميلادية، في العام ذاته الذي توفي فيه المهلهل بن ربيعة التغلبي بحسب ديوان الشعر العربي، فإن المكان لم يكن موجوداً في ذلك الزمن الضارب في القدم بوصفه قوة جاذبة إن جازت العبارة للشاعر الجاهلي .

كان ذلك الشاعر، على نحو ما بلا مكان . إنه ابن اللامكان، لأنه لا حدود للصحراء كما لا حدود للخيال .

اللامكان أيضاً نراه في نصوص شعراء ولدوا بعد أكثر من ألفي عام على علاقة شاعر مثل تأبط شراً الذي كان أسرع من خياله عندما يركض .

يقول تأبط شراً على الطويل:

ويسبق وفد الريح من حيث ينتحي

بمنخرق من شدة المتدارك

إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل

له كالئ من قلب شيحان فاتك

يصبح اللامكان مكاناً أحياناً في لغة شعراء التنقل والهجرات والنفي والإبعاد، لقد تنقل المتنبي بين مصر وبغداد وبلاد فارس، وامرؤ القيس عندما قرر الأخذ بثأر أبيه انتقل من شاعر إلى محارب، خرج من الصحراء إلى حواضر الملوك لكي يستعين بهم ويتخلص من ضلالته لكنه مات مسموماً في قميصه .

لا مكان لشاعر معاصر مثل أمل دنقل مع أن مكانه كله في أحد مقاهي القاهرة، لا مكان أيضاً لشاعر مثل عبدالوهاب البياتي الذي كان المنفى مكانه .

لم يكن من مكان لشاعر مثل سركون بولص، ولا مكان للشاعر جان دمو المطرود حتى من ثيابه، ولا من مكان لشعراء الطرد والنبذ والإقصاء والإبعاد ومنهم من كان قد اتخذ الرصيف وسادة للموت مثل الشاعر علي فودة الأشبه بذئب خرج من الغابة إلى مدينة، فندم على ذلك، ثم مات .

المكان أحياناً، عند بعض شعراء الحس الوجودي الحاد والشفاف، يعادل، اللامكان . في حالة اللامكان وإذ الشاعر هو موجود على أرض وله حيز مكاني محدود ومعروف، يختار الشاعر أن يكتفي باللغة، أي بالشعر ليكون الشعر وحده وطن الشاعر وقبره .

لم يمت بدر شاكر السياب في العراق بالقرب من نهر بويب وبالقرب من شناشيل ابنة الجلبي، وهو مكانه الأصيل، ولكنه مات في اللامكان، ذلك الذي كانت تسقط عليه قطرات المطر لتبقي على جثته باردة، ووحيدة .

لم يمت محمود درويش في فلسطين، وإن كان قبره في فلسطين، فلقد كان في المكان واللامكان، في الحضور وفي الغياب، في البيت وفي الطريق إلى البيت .

لم يمت شعراء كثر في العالم على تراب الجغرافيا وفضاء الأرض وتحت فضاء السماء في تلك الأمكنة التي ولدوا فيها كالسنابل والجنادب، وكان من قرار الحياة أن ينتقلوا من المكان إلى اللامكان .

الشعر نشيد وطمأنينة وأغنية تلطف قلب الإنسان، هكذا نولد ونموت بين قطبي هذه الأرض وهذه الأمكنة التي تصنع حتى أجسادنا وأصواتنا ولغتنا التي تعيش بعدنا آلاف السنوات وتبقى عصية على الزوال .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"