منذ خمسينات القرن الماضي وهي منابر أضاءت دروب أجيال بعد أجيال من المواطنين، توالت السنون، وتخرج فيها المئات والآلاف، ليلتحقوا بالجامعات على تعددها، ليشكلوا نواة الكادر المهني بكافة أطيافه في الدولة، منهم المهندسون والأطباء والضباط والسفراء، تقفز ذكريات الطفولة في أذهانهم فور المرور إلى جوارها، هو الحنين الجميل إلى ما مضى، "هنا تعلمت كل شيء، وهنا يعتصر الحزن قلبي على حالها"، يقول قائل .
"مدارس التأسيس" كما يطلق عليها بعضهم، تبدلت حالها بعد نصف قرن شهدت الدولة خلالها العديد من المتغيرات، فتشكلت معالم التطور، وانتشرت مرافق تعليمية عالمية، حلت محل المدارس القديمة، التي تاهت معالمها كما تاهت المسؤولية عنها .
حاولنا حصرها من دون جدوى، فتزخر مناطق متفرقة من الدولة بالعديد من المدارس المهجورة، وفي ظل اللامسؤولية التي تؤكدها سنوات النسيان أو الإهمال، ربما، ليس بغريب أن نواجه فشلاً في التعداد، خلاصة القول إنها تقدر بالعشرات حسب تقديرات تخصصية .
غياب المسؤولية
المدارس المهجورة، عنصر مكاني منغص لساكني الجوار، فعوضاً عن أجراس الفسحة، وطابور الصباح . . تحولت إلى أوكار يستخدمها المراهقون في أعمال منافية للآداب ومخالفة للقانون، والأكيد بحسب مصادر شرطية وتقارير موثوقة، استخدمت مقار المدارس المهجورة في العديد من المناطق في بعض الجرائم، فضلاً عن كونها باتت أماكن موحشة تثير الرعب والفزع لدى المحيطين بها من السكّان .
عدد من المواطنين لجأوا بالشكوى إلى ''الخليج''، لعلهم يجدون السبيل . . أكثر من عشرين عاماً وأنا أشكو إلى أكثر من جهة اختصاص، والنتيجة التي أصل لها أن جهة الاختصاص ليست ذات اختصاص، يقول المواطن حمود عبد الله من إمارة الشارقة .
يضيف عبد الله: "أنني وحسب مسيرة ممتدة من متابعة القضية، فطنت إلى أن المسؤولية ضاعت بين ثلاث وزارات، هي التربية والتعليم، والأشغال العامة، والمالية، تضاف إليها المنطقة التعليمية ومجلس التعليم" .
ويوضح الرجل: "توجهت بالشكوى إلى وزارة التربية والتعليم، فقالوا إن الأمر خارج عن سلطتنا، ومنها إلى الأشغال العامة التي قالت إن الأمر بيدي السلطة المحلية، لترد قائلة إن لجنة مشكلة بين المؤسسات التعليمية والأشغال تتباحث الأمر" .
خلفان النقبي، أحد سكّان مدينة خورفكان يعتبر أن المدارس المهجورة تتلخص مشكلتها في تقاعس الجهات الرسمية عن اتخاذ قرار مشترك، فالمشكلة حسب قوله تكمن في أن المبنى ملك لجهة، والأرض ملك لجهة، وعمليات الهدم والإزالة تقع على عاتق جهة ثالثة، فهيئة المباني التعليمية بوزارة التربية والتعليم حسب المتعارف عليه، ينوط بها مسؤولية الأبنية، إلا أنها ليست مسؤولة عن الهدم، والسلطة البلدية المحلية ليس في إمكانها اتخاذ قرار بهدم المبنى المهجور باعتباره ملكاً لجهة اتحادية وهي وزارة التربية والتعليم، علاوة على التداخل بين ملكية الأرض المقام عليها المبنى، إلى من تؤول .
بيوت الجن
ينظر كثيرون من الأهالي بريبة الى المدارس المهجورة في مناطقهم، بعدما حولتها الشائعات الى "بيوت للجن"، وجعلها غياب الرقابة موضعاً للشبهات وبحتمية لا لبس فيها أوكاراً للجرائم، ومكباً للنفايات .
يقول المواطن راشد الزعابي من أهالي مدينة كلباء: "أسكن إلى جوار إحداها . . أطفالي يصيبهم الفزع نتيجة أصوات ليلية غريبة تخرج من المدرسة المظلمة، والتي كانت تشع نوراً في أزمنة سابقة . . يقول بعضهم إن الجن سكنت المبنى، ونتيجة للظلام الدامس الذي يلفها لا أتبين ماهية الأصوات، فضلاً عن تكرار دخول مجموعات من الشباب مبنى المدرسة قفزاً من فوق الأسوار، يمارسون فيها شرب مواد ممنوعة، ولا يتورعون عن الصراخ والصياح واستخدام الألعاب النارية في منتصف الليل" .
يؤكد تلك النظرة مواطن آخر فضّل عدم ذكر اسمه، قائلاً: "نعم كثيرون يعتقدون أنها أماكن مشبوهة تسكنها الجن، ويخرج منها أصوات مزعجة في أوقات متأخرة من الليل، ونشعر فيها بحركة غريبة وأضواء من بين الظلمات، تارة حمراء اللون، وأخرى خضراء" . يسترسل الرجل: "الجن ذكر في القرآن الكريم"، وسكنها الظلمات والدنس، كثير من الشباب والعمالة الآسيوية وعابروا الطريق يستخدمون تلك الأماكن في قضاء حاجاتهم، فضلاً عن استغلال غياب الرقابة والظلام الدامس فيها في أعمال منافية" .
قرار بهدم مدارس كلباء
مدينة كلباء إحدى المدن التي تعاني تواجد بعض المدارس المهجورة فيها، ومنها مبنى مدرسة كلباء الابتدائية التأسيسية للبنين، وتعود إلى خمسينات القرن الماضي بحسب عدد من المواطنين، كما تضم المدينة مبنى روضة مهجوراً يرجع إلى الستينات، وهي روضة كلباء، وتم إحلال مبنى جديد للروضة تحت اسم روضة الوفاء، ومن ثم تحول مبناها القديم إلى مبنى مهجور يثير الريبة والخوف في نفوس سكان المنطقة المحيطة بالمبنى . كما تحتوي المدينة على مبنى مدرسي قديم، وتضم مدينة خورفكان مبنى واحداً يعود لروضة الكنور وهي الأقدم من نوعها في المدينة، وتعرضت الروضة إلى زلزال قوي في تسعينات القرن الماضي أسفر عن تهالك وتصدع في أساسات المبنى، الذي تم تخصيصه من قبل منطقة الشارقة التعليمية لهيئة التوجيه وتدريب العاملين قبل أن يتم نقلهم إلى ديوان المنطقة، ويتم إحلال مبنى جديد للروضة في منطقة القادسية .
بحسب خالد الغيلي الزعابي رئيس لجنة التخطيط والتطوير بالمجلس البلدي بمدينة كلباء، أخطرت وزارة التربية والتعليم في خطاب رسمي، مجلس الشارقة للتعليم، بعدم ممانعتها بهدم المباني المدرسية المهجورة في المدينة، مع تعويض الوزارة عن الأرض القائم عليها المبنى، أو استلام الأرض نفسها .
وأضاف الغيلي أن المجلس البلدي بكلباء حرص على التواصل مع الجهات المعنية وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم ومجلس الشارقة للتعليم، للوقوف على ماهية المشكلة وحلها في أسرع وقت ممكن، موضحاً أن كلباء تعد المدينة الأولى التي يتخذ قرار إزالة مبانيها المدرسية المهجورة من قبل الوزارة، مضيفاً أن الأجهزة البلدية في انتظار الاجتماع مع ممثلي مجلس الشارقة للتعليم لوضع آلية تنفيذ فوري لبدء عمليات الأرض بعد استيفاء بنود الاتفاق بين الجهات ذات الاختصاص .
مخاطبات رسمية
سعيد مصبح الكعبي رئيس مجلس الشارقة للتعليم، أوضح أن إمارة الشارقة من الإمارات التي تضم عدداً كبيراً من المقار المدرسية المهجورة، مشيراً إلى أن الجهات التعليمية بالإمارة لديها سجل حافل من المخاطبات الرسمية في هذا الصدد يمتد لنحو 10 سنوات، معبراً عن تفهمه الكامل لطبيعة المخاطر التي تنجم عن بقاء هذه المباني على حالها، مؤيداً وبشدة حسب قوله سرعة اتخاذ قرار بإزالتها حفاظاً على أمن وسلامة المجتمع .
وأضاف الكعبي أن إدارته اجتمعت مؤخراً مع ممثلين عن وزارتي التربية والتعليم والأشغال العامة وممثل لمنطقة الشارقة التعليمية للتباحث في قضية المدارس المهجورة، مشيراً إلى أن مدينة كلباء هي المدينة الوحيدة التي تم إخطارنا من قبل وزارة التربية والتعليم بعد ممانعتها من هدم مدارسها المهجورة، وتم إخطار دائرة التخطيط والمساحة بحكومة الشارقة بالأمر .
وكشف الكعبي عن اتفاق بتشكيل لجنة من الجهات المعنية لزيارة جميع المباني المدرسية المهجورة، وتقييم أوضاعها وبحث سبل الاستفادة منها، مشيراً إلى أن توفير بدائل للأراضي المقامة عليها المباني القديمة، ليست معضلة في الإمارة، مضيفاً إن إمارة الشارقة توفر كافة سبل الدعم للعملية التعليمية، ولا شك أن لبقاء المدارس المهجورة خطراً يهدد المجتمع بآفات نحن في غنى عنها، لذلك لا سبيل سوى تقديم كافة أوجه المساعدة للقضاء على مشكلة المباني المدرسية المهجورة .