إن فلسفة الثورة في مصر قامت على أساس شعارات دولة مدنية ديمقراطية، وحرية ووحدة وطنية وحرية العقيدة والعدل الاجتماعي، وهذه الشعارات نادى بها شباب الثورة وهم من صنعوها لتمسكهم بهذه المبادئ والذين دعوا إلى مجتمع ليبيرالي ديمقراطي، وإلى صياغة دستور يكفل حقوق الأقليات ولا يفرض قيوداً صارمة على حرية المواطنين . ورؤية رئيس جديد في عام 2012 يكون مواطناً عادياً من المدنيين .
وقد بدأ بالفعل هذا الأمر يتحقق عندما أعلن المستشار فاروق سلطان رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيس اللجنة القضائية العليا للانتخابات الرئاسية، أن انتخابات الرئاسة في مصر سوف تجري يومي 23 و24 مايو/ أيار المقبل وجولة الإعادة يومي 16 و17 يونيو/ حزيران، على أن تعلن النتائج النهائية للاقتراع في 21 يونيو . هذا الإعلان يصب في مصلحة الثورة وأهدافها، وكذلك يسهم في استقرار مصر بوجود رئيس للجمهورية منتخب انتخاباً حراً ومباشراً من الشعب المصري، لأنه سوف يستمد قوته من الشعب مباشرة، ما ينعكس على قراراته التي ستكون حاسمة وقوية يترتب عليها سيادة القانون واستعادة الأمن والأمان والاستقرار .
وما إن بدأت أجواء المنافسة بين المرشحين للرئاسة وكل منهم قدم برنامجه بكل صور المنافسة المشروعة وغير المشروعة، حتى بدأت تضاريس المعركة الانتخابية تتضح معالمها بين جماعة الإخوان المسلمين التي تراهن على قوى الإسلام السياسي، وبناء الدولة الدينية التي يريد أصحابها العودة إلى تراث الأمة واستعادة الخلافة الإسلامية والنموذج الأول لدولة الخلفاء؛ في حين لا يبدو واضحاً حتى الآن موقف التيار الليبرالي الذي يضم الأحزاب المدنية، وبناء الدولة المدنية التي تريد الانطلاق تجاه مزيد من الحريات والانفتاح على العالم .
اليوم تنطلق صرخة الثورة من جديد في مصر، لتقف وقفة متأملة حاسمة تخرج منها بعض الاستخلاصات الأساسية التي يتوجب على النخبة المستنيرة في مصر أن تتمسك بها تمسكاً متيناً، حتى لا تظل تدور في دائرة جهنمية مفرغة، وحتى لا تذروها الرياح المظلمة؛ لأن الشباب المؤمنين بالديمقراطية إيماناً حقيقياً لا يمكن أن يقبلوا الانفعال والافتعال والتمييع، حتى لا تنتهي ثورتهم نهاية مأساوية مخزية؛ وذلك بالإجهاز على ثورتهم بوساطة الشخصيات الإسلامية السياسية المتشنجة وحساباتهم الراديكالية الأصولية المتطرفة، التي تفتقر إلى الفهم السياسي، وتعيش في ذهنية القرون الماضية، وتأخذ بالأفكار الثابتة والمسلمات المتوارثة، تحدوها الثقة بأن المفاهيم الدينية هي مصدر كل حق والدليل إلى حقائق الحياة الأساسية وإلى معنى الأحداث المتعاقبة في الزمن، إلى العلة الفاعلة في هذه الأحداث؛ ما يترتب عليه تعطل الحياة السياسية المدنية بكل أطيافها، والتباطؤ في تحقيق مطالب الثورة أو تحديد موقعه تجاه من يثق به وبنزاهته عبر الاستفتاء قد يؤدي إلى التمرد والغوغائية، وإثارة روح العداء بين الشباب وانتهازية النخبة، مما لا يتيح مشاركة الجميع على أساس برامج سياسية، ويحرم المواطنين وهم الفصل والحَكَم من حقهم الأصليّ، بأن يمهد الطريق أمامهم من منظور إباحة الحرية الانتخابية الكاملة وبعقلانية، حتى يخلي الجيش مكانه للمدنيين، ويعود إلى ثكناته حتى يشعروا أنهم لا يعيشون في عالمين منفصلين؛ عالم العقل والحرية من جهة، وعالم الرغبات والدوافع من جهة أخرى .
فالحرية بوصفها مفتاحاً للديمقراطية عند الفرد والمجتمع على السواء، ومنها أن تُحتَرَم الأديان جميعاً وليس الإسلام وحده، الاحترام الواجب باعتبارها مقدسات عقائدية ينبغي أن تصان في أرفع مكانة، وتأكيد الوحدة بين خصوصية الفرد وشمولية القيم والمفاهيم، وكذلك قبول الآخر الذي هو ثابت من ثوابت الحياة لا الأمم فحسب؛ بل من ثوابت الشعوب والحضارات بكل صنوفها، حيث يغدو إنكار بعض المتطرفين لهذا التسامح محسوباً -عند بعض الغلاة- على الدين الإسلامي، وهو أمر يرفضه الدين نفسه، ورفضه الكثير من المفكرين والعلماء في تراثنا الإسلامي . لذلك لا بد من الحرص على الحقيقة والتعلق بها، فلا معنى لحياة الإنسان ولا قيمة لوجوده إلا حين تقوم على الحق والصدق والوضوح، فإذا غابت الحقائق غاب معها العدل، والصدق، والوفاء، والاستقامة، والأمان، والوضوح، والفاعلية، والتميز، والتآخي، والانسجام، والمروءة الحقة؛ فتعمى البصيرة، وتنتشر الأباطيل، ويشيع العجز، ويصبح الخداع، والمكر، والغدر، والافتراء، والإفك، والإخفاء، والإرجاف، والشائعات، والتوجس، والغش، والإجحاف، والتمويه، والكذب، والتحايل، والتزييف وغيرها من الرذائل وسائل سائدة لبلوغ المآرب .
ومن البديهي أن الباطل المحض المكشوف لا يمكن أن ينخدع به الناس، وأنه لا بد لأهل الباطل من التذرع بشيء من الحقيقة، من قبيل كلمة حق أريد بها باطل . فلو كان الحق واضحاً في مصر، لما كان الاختلاف والفوضى، وما يتجلى بفقدان الوعي بصورة مستلبة بالقهر، الذي وقع عليهم من السلطة بضياع الحقوق وإنكارها، وتفتق وانتثار شظايا الزمن الماضي بتلك المراوغة، وخفاء الحقيقة بمثال التفاوت الشديد بين السلطة السياسية والشعب، والموضوعية والاتزان والحكمة وغيرها بما ينجم اليوم عن هذه الويلات، والكوارث لهذا الشعب، من تحفز شديد ورغبة عارمة في التدمير، والابتعاد عن منطق العقل والعدل نتاج ماض تلونت أحكامه بتلون حالته المزاجية؛ نتيجة دوافع ذاتية خفية بمخزون النفس المطلق، وتفاقم التظالم بين الناس، وإفساد حياتهم وملئها بالخوف والرعب والترقب، من خلال طائفة كانت تمارس مهازل مضحكة مبكية في مشهد بلا ذاكرة، وبدون تدبر في مفاهيم غاية في الخطأ جندت كل إمكانياتها بالجهل والتجهيل، من خلال ممارسة ثقافة الارتجال في العمل والقول والفعل والتصورات، حتى انتهت إلى هذه النهاية بانتهاج ثورة المنهج المضمون بالتغيرات السياسية، والتحولات الثقافية والاجتماعية . فالمسؤولية الأساسية الكبرى تقتضي استنفار الطاقة والجهد من كل فرد من أجل معرفة الحقيقة، والحرص الشديد على الالتزام بها حتى تستقيم الحياة، وتتحقق للإنسان الطمأنينة على مصيره ومستقبله وسط هذه الصوارف العاتية، والتي تورث الملل والرتابة والركض في السراب، ولا تنبض بروح التفاعل والحرية، بل تظل جثة هامدة ومسخاً محنطاً بارداً؛ ليجرف كل شيء إلى كارثة غوغائية تمس أهداف الثورة وكرامة الشعب الذي بدأ يكتب تاريخه مثلما ترسم الشمس تاريخها على وجه الأرض لكي يضيف إلى آفاق الحرية رؤاه الإنسانية الحياتية والكونية .
كاتب من الإمارات