الكوب المرفوع

حبر أبيض
14:05 مساء
قراءة دقيقتين

رفع مدرس لتلاميذه كوبا زجاجيا مملوءا بالماء إلى أقصى ارتفاع تستطيع أن تبلغه ذراعه، ثم قال لهم: كم يبلغ وزن هذا الكوب المرفوع ؟!، قالوا: خمسون جراماً، مائة جرام، مائة وخمسة وعشرون جراما.

فقال: أنا لم أزنه وبالتالي لا أعرف قيمة وزنه، لكنني سأفترض أن كل الأرقام التي ذكرتموها صحيحة وسأسألكم: ماذا سيحدث إن استمررت في رفعه لمدة دقائق قليلة؟ قالوا: لا شيء سيحدث.

قال: حسناً، وماذا سيحدث إن استمررت في رفعه لمدة ساعة؟ قال تلميذ: ستشعر بألم في ذراعك.

قال: وهو كذلك، وماذا سيحدث إن استمررت في رفعه لمدة يوم كامل؟ قال تلميذ: ربما تفقد إحساسك بذراعك، وقال ثان: وستتأثر بالسلب عضلاتك، وقال ثالث: وقد تصاب بالشلل وتضطر لأن تذهب إلى المستشفى لعلاج ما أصابك.

فقال المدرس للتلاميذ: أحسنتم، لكن ما الذي يؤدي إلى ظهور ما ذكرتم، هل تغير وزن الكوب فصار أثقل من ذي قبل؟ قالوا: لا بالطبع.

قال: إذن ما الذي يسبب ألم الذراع وإجهاد وإيذاء العضلات؟ قال تلميذ: الاستمرار في حمل الكوب لمدة تفوق الحد المعقول.

فقال المدرس: نعم، هذا هو السبب، ولتجنب مواجهة تلك الأعراض المؤذية يجب أن أضع الكوب فوق المنضدة.

وضع المدرسُ الكوب على منضدته، ثم قال لتلاميذه: مشاكل الحياة تشبه تماما بتمام هذا الكوب المملوء بالماء، إن أردت أن تواجهها وتحل لوغاريتماتها فارفعها في رأسك لدقائق معدودة تبدو مقبولة، أما إن حملتها مدة طويلة فستبدأ في إيلامك، وإن فاقت المدة الحدود المعقولة ستبدأ في إرباكك وستشل عقلك وتؤلم قلبك وتوهن بدنك وستفقد تركيزك وشهيتك لعملك وستعاني من إرهاقك وكسلك، قد يكون مهما أن تفكر فيما يواجهك من مشكلات وتحديات في حياتك، لكن الأهم حقا هو أن تُنزل تلك المشكلات والتحديات من رأسك حين تذهب كل ليلة إلى فراشك، بهذه الطريقة لن تقع تحت ضغط مدمر، وستستيقظ كل يوم وأنت منتعش لأنك نمت وأنت لا تحمل أي هم، وحينئذ تستطيع أن تتناول أي قضية بالفكر والنقاش وأن تعالج بفاعلية أي مشكلات وأن تبذل جهداً من دون أن تشعر بأي تعب أو إجهاد.

ترى هل من المستطاع تطبيق ما قال؟ إنه لم يذكر لتلاميذه منضدة يمكن أن تُوضع عليها الهموم قبل النوم!

ما أظن أن هناك منضدة صالحة تعيننا على تطبيق ما قال، إلا منضدة (الصلاة)، ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أرحنا) بها يا بلال.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"