حرص الإسلام على بناء شخصية المسلم على قيم وأخلاقيات رفيعة حتى تستقيم حياته، ويؤدي رسالته في الحياة، ويسهم بفاعلية في بناء ونهضة مجتمعه، ويواجه بقوة وصلابة كل التجاوزات الأخلاقية عملاً بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
والإسلام في بنائه الأخلاقي للإنسان جاء بكل ما هو راق ومتحضر، وسما بأخلاق أتباعه فوق كل الصغائر، ورسم للإنسان حياة راقية تغلفها كل المعاني الإنسانية .
ونحن من خلال هذا الباب نسبح في بحر الأخلاق والقيم الإسلامية الرفيعة لنذكّر الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين بأن رقيهم وتحضرهم وإنسانيتهم العالية تكمن في أخلاقيات الإسلام، وأن ما نعانيه الآن في معظم مجتمعاتنا العربية والإسلامية من انفلات أخلاقي وبلطجة سلوكية سببه الرئيس ضعف الوازع الديني، واختفاء قيم وأخلاق الإسلام من حياتنا .
الأمانة في مقدمة الأخلاق الإسلامية الرفيعة التي تنشر الثقة بين الناس وتضاعف من تماسكهم، وتساعدهم على صناعة حياة طيبة بعيدة عن كل صور الغش والتزوير والتلفيق، خاصة في جانب المعاملات . ذلك لأن الحياة الطيبة التي يعمل الإسلام على تحقيقها ونشر ثقافتها بين المسلمين لا تعتمد على مقومات مادية فقط ولا على مظاهر تحضر ورقي شكلي، لكنها تقوم أولاً على قيم وأخلاقيات صادقة تنشر أواصر المحبة والألفة بين الناس وتضاعف من فرص التعاون والتلاقي بينهم، وتدفعهم إلى مزيد من العمل بعد أن ترسخ في نفوسهم قيمة الأمل .
والأمانة، كما يقول الدكتور سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر، قيمة غرسها الإسلام في نفوس كل أتباعه، فلا يجوز لمسلم موحد بربّه أن يتخلى عن هذه القيمة في أي شأن من شؤون حياته، فهي من الخصائص التي تتميز بها شخصية المسلم . وانعكاسات هذه القيمة على المجتمع كله طيبة، فالإنسان الأمين ذو ضمير حي وذو قلب سليم ومعاملاته مع الناس نقية من الشوائب، وعلاقاته الإنسانية تشرق بالحب والإخلاص تتسم بالصدق، ونفسه عفيفة، وكفه شريفة نزيهة، يحافظ على حقوق الناس ويصون أماناتهم، فهو موطن الرجاء وملتقى الثقة، يقبل الناس على معاملته بيعاً وشراء، ويأمنونه على ودائعهم وأسرارهم .
لكل ذلك كما يقول الدكتور هاشم كان اهتمام الإسلام بخلق الأمانة، وكان حرص هذا الدين العظيم على ضرورة أن يلتزم المسلم بهذه الصفة الرفيعة حتى يكون جديراً بثقة الآخرين، وقادراً على أداء الأمانات . فالأمانة في نظر القرآن الكريم هي صنو الحكم بالعدل، بل هي الصفة التي تدفع الإنسان إلى الحكم بين الناس بالعدل، ولذلك قدمها الحق سبحانه على الحكم بالعدل في قوله تعالى: إِن اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدواْ الأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ الناسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ .
تكامل لا تعارض
الأمانة كما يقول علماء اللغة ضد الخيانة كما في مختار الصحاح، وهي تطلق على كل ما عهد به إلى الإنسان من التكاليف الشرعية كالعبادة والوديعة، كما تطلق على المعاملات بين الناس، وقد جاء الحث على هذا الخلق الرفيع في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، حيث تحث عليها بعض الآيات، وتأمر بها آيات أخرى، وتحذر من الخيانة آيات ثالثة، مثل قوله تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها .
وقوله تعالى: يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم، وقوله صلى الله عليه وسلم: أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك .
وقوله صلى الله عليه وسلم: من غش فليس مني أو ليس منا من غش .
وتستعمل الأمانة عند العلماء كما يوضح د .الهلالي على معانٍ:
- الأول: الشيء الموجود عند الأمين، وذلك بأن تكون هي المقصد الأصلي في العقد كالوديعة، فكل وديعة أمانة، أو تدخل الأمانة في العقد تبعاً كما في الإجارة، والعارية والمضاربة والوكالة والشركة والرهن .
- الثاني: بمعنى الصفة، وذلك في أمور، منها: ما يسمى ببيع الأمانة كالمرابحة والتولية، وهي العقود التي يحتكم فيها المبتاع إلى ضمير البائع وأمانته أو في الولايات، سواء أكانت عامة كالقاضي، أم خاصة كالوصي وناظر الوقف، أو في ما يترتب على كلامه حكم كالشاهد، وكذلك تستعمل في باب الإيمان كمن أقسم بها على أنها صفة من صفاته تعالى .
- وثمة معنى ثالث للأمانة بمعنى حرية الاختيار والاستعداد لتحمل المسؤولية، وهو ما أشار إليه بقوله تعالى: إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً، فهي هنا تعني قبول الإنسان حرية الاختيار مقابل تحمل المسؤولية عن نتائج أعماله وما يترتب عليها من ثواب أو عقاب، بينما أبت السموات والأرض والجبال ذلك وقبلت التسخير إشفاقاً من تبعات حمل الأمانة .
ويلخص الدكتور محمود حمدي زقزوق، الأستاذ في كلية أصول الدين في الأزهر، وزير الأوقاف المصري الأسبق، صور الأمانة في أربع دوائر: أمانة فردية تتعلق بالفرد ذاته فيما بينه وبين نفسه، وأمانة اجتماعية تتعلق بصلة الإنسان بالآخرين قريبين كانوا أم بعيدين، وأمانة دينية تتعلق بصلة الإنسان بالله، وأمانة عامة تتعلق بصلة الإنسان بالكون الذي يعيش فيه وبما فيه من كائنات حية أو غير حية، وكل هذه الأمانات تتكامل مع بعضها بعضاً ولا تتعارض .
ما أحوجنا إليها
إذا كانت الأمانة بهذا القدر من القيمة والأهمية في حياة المسلمين، فنحن في أمسّ الحاجة إليها الآن في بلادنا العربية والإسلامية، حتى تعم الثقة والطمأنينة علاقات المسلمين ومعاملاتهم .
يقول الدكتور حسين شحاتة، أستاذ الاقتصاد الإسلامي في جامعة الأزهر: ما أحوجنا الآن إلى خلق الأمانة بعد أن شاع الغش والتزوير في حياتنا، ففي كل المجتمعات الإسلامية غش في التجارة، حيث أصبح الغش التجاري وباء اقتصادياً واجتماعياً يلحق بنا خسائر فادحة، وهناك خيانة للأمانة تتمثل في السرقات والاختلاسات والعدوان على المال العام، وهناك غش في الامتحانات، حيث أشارت دراسات مزعجة إلى أن نسبة كبيرة من الطلاب يحرصون على الغش في الامتحانات، ومثل هذه الانحرافات السلوكية والأخلاقية لا سبيل لنا بمواجهتها إلا بالتربية الإسلامية الصحيحة . فالعقوبات وحدها لا تكفي لمواجهة كل صور الخيانة التي اقتحمت حياتنا وشاعت بين الكبار والصغار .
ويؤكد الدكتور شحاتة أن خلق الأمانة هو الذي يحمي أولادنا من التجاوزات السلوكية الخطرة التي تحيط بهم الآن من كل جانب، ويوفر لهم مناخاً آمناً في سلوكياتهم ومعاملاتهم، فالأمانة هي أساس كل الفضائل والذي يتربى على الأمانة يعيش حياة سعيدة حيث يثق الناس به، فلا يخونه أحد ولا يشك في سلوكياته وتصرفاته أحد، والأمانة مطلوبة في كل شيء، لكنها كما يقول أستاذ الاقتصاد الإسلامي في الأزهر أبرز ما تكون في المعاملات المالية، ولذلك كان من أهم القيم والمبادئ التي تقوم عليها المعاملات المالية الإسلامية قيمة الأمانة، فبالأمانة تشيع الثقة بين المتعاملين، وبالأمانة تأتي المكاسب والأرباح الحلال، وبالأمانة تستقر المعاملات ولا تحدث الخسائر والكوارث الاقتصادية التي شاعت في عالم اليوم وطال ضررها وخطرها عالمنا الإسلامي، ويضيف: لو سادت قيمة الأمانة بين كبار المسؤولين في بلادنا العربية والإسلامية لما قامت ثورات ضد الفساد واستغلال النفوذ مثل التي شاهدناها في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وغيرها من البلدان العربية، ولو انتشرت الأمانة بين الناس لما حدثت أزمات وكوارث مالية مثل التي شاهدناها في المعاملات المالية في أمريكا وأوروبا وغيرها من الدول الكبرى، ولما حدثت الأزمة الاقتصادية العالمية التي ألحقت الضرر البالغ بالعالم كله، ولو سادت قيمة الأمانة بين المسلمين الآن لما سمعنا وقرأنا عن غسل الأموال وعن الغش التجاري الذي أصبح من عموم البلوى في كل بلادنا العربية والإسلامية بلا استثناء، ولو كانت الأمانة موجودة في حياتنا لما كان هناك تملق ولا نفاق ولا خيانة لما تحت أيادينا من أمانات .
ويضيف: إن كل تعاليم وأحكام الإسلام تصب في خانة الأمانة، فالدين الحق أمانة عند المسلم فلا يجوز له أن يخون دينه، ولذلك يقول الحق سبحانه: يا أَيهَا الذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ . وَاعْلَمُواْ أَنمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَن اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ . ولأهمية الأمانة في ترسيخ أصول العقيدة وتثبيت الإيمان يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له .
غيابها خسائر فادحة
ويؤكد الدكتور شحاتة ضرورة إشاعة خلق الأمانة في أسواقنا حتى تعود الثقة والطمأنينة بين المتعاملين، وحتى يعود الاستقرار إلى هذه الأسواق، ويقول: لا بد أن نعترف بأن غياب الأمانة ألحق بنا خسائر مادية فادحة، فغياب هذه الصفة عن تعاملاتنا كان وراء السطو على أموال الفقراء ومحدودي الدخل في البنوك، حيث استطاعت فئة ضالة منحرفة الحصول على أموال المودعين في شكل قروض من دون ضمانات حقيقية والهروب بها إلى خارج الأوطان . . حدث هذا في مصر وفي العديد من الدول العربية ولو كان هناك أمانة لما حدث ذلك.