المال بين الحرام والحلال

في ظلال الإسلام
02:18 صباحا
قراءة 4 دقائق

توجهت تعاليم القرآن إلى التخفيف من شرور المال وبيان أضراره . وقد حذر الناس من الانقياد الكلي للمال الذي يفتنهم عن دينهم، ويبعدهم عن ذكر اللّه . يقول تعالى: رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة (النور: 37) . والقرآن الكريم يذكر الداء ويصف له الدواء، ليعالج ما ينتج عنه من شرور . وقد جعل اللّه المسلم مسؤولاً أمامه تعالى، عن كيفية إنفاقه . وجعل لطرق جمعه وتحصيله وكنزه طرقاً مشروعة ومحددة، حتى يكون حلالاً، فلا يبلغ الغنى الفاحش، لأنه ليس من مظاهر رضوان اللّه تعالى: وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين . قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ولكن أكثر الناس لا يعلمون . وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، إلاّ من آمن وعمل صالحاً، فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (سبأ: 35 و36 و37) .

وحرّم الإسلام كنز المال لأن في ذلك منعاً من التبادل الاقتصادي والإفادة منه في استثمار الموارد الاقتصادية المختلفة لزيادة الدخل الوطني . قال تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللّه، فبشرهم بعذاب أليم (التوبة: 34) .

ومثلما نهانا اللّه عن الإسراف وإنفاق المال بلا حساب، نهانا أيضاً عن البخل، لأنه يقضي على المودة بين الناس ويفرق بين الأحباب والأصدقاء . فجمع المال مع عدم الانتفاع به ضرب من الفقر أشد وقعاً على قلوب المعوزين من فقر المعوزين أنفسهم . يقول الله تعالى: ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل اللّه، فمنكم من يبخل، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه، والله الغني وأنتم الفقراء (محمد: 38) .

ضوابط شرعية

وقد جعل اللّه تعالى لنا عدداً من الشهوات، وأباح لنا أن نصيب منها ما نشاء ضمن الضوابط الشرعية، حيث يقول تعالى: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لهم لنبلوهم أيهم أحسن عملاً (الكهف: 7) . فكل ما على الأرض من زينة، إنما جعل للابتلاء والاختبار .

إن الزينة متاع الحياة الدنيا، والتي هي دار التزود للآخرة . ولهذا فرض علينا التمتع بالشهوات في إطار ما رسمه الشرع في كل شهوة منها، حتى تكون معيناً ومتاعاً لنا في الدنيا وزاداً للآخرة . كما يقول تعالى: المال والبنون زينة الحياة الدنيا . والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً (الكهف: 46) .

وقد أباح الإسلام جمع الثروة، ولم يجعل لها سقفاً أعلى، إذا كان ذلك في إطار الحدود المرسومة وأصول الحلال في السعي والإنفاق . وقد كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يسأل ربه الغنى عن الناس، حيث يقول في حديث رواه مسلم: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى . وقد عرف المجتمع الإسلامي في زمن النبي عليه الصلاة والسلام رجالاً أثرياء، منهم عثمان بن عفان وحكيم بن حزام وأبو طلحة الأنصاري وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم كثيرون . وقد جعلوا من مالهم ما يخدم المسلمين، وما يخدم الدعوة الإسلامية .

وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحسن المسلم طلب المال ويجمل فيه، لأن رزقه مكتوب . وهو يقول في حديث في السنن الكبرى: أيها الناس إن أحدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه . فلا تستبطئوا الرزق، واتقوا اللّه . يا أيها الناس وأجملوا في الطلب . خذوا ما حلّ ودعوا ما حرم . كذلك أوصى بالقناعة في طلب المال . لأن القناعة نعمة من اللّه عز وجل يرزقها لعباده . وفي حديث رواه الترمذي: طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافاً وقنع .

جهاد أكبر

وحضّ النبي صلى اللّه عليه وسلم المسلمين على تحري الحلال في الكسب، لأنه يتطلب من النفس جهاداً أكبر ومقاومة أشد لوسواس الشيطان، مخافة الوقوع في كسب المال بالحرام . وفي الحديث: العبادة عشرة أجزاء، تسعة منها في طلب الحلال . ويقول أيضاً: إنه من أصاب حراماً فأنفقه، لم يؤجر عليه، وإن ادخره، كان زاده إلى النار . ويقول سفيان الثوري رضي اللّه عنه: من أنفق من الحرام في طاعة اللّه، كان كمن طهر الثوب النجس بالبول . والثوب النجس لا يطهره إلاّ الماء . والذنب لا يكفره إلاّ الحلال .

وعندما نزلت الآية: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً (النساء: 10)، انطلق كل من كان عنده يتيم، فعزل طعامه عن طعامه وشرابه عن شرابه . وذكروا ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية: ويسألونك عن اليتامى . قل إصلاح لهم خير . وإن تخالطوهم فإخوانكم . والله يعلم المفسد من المصلح (البقرة: 220) . فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم .

وأحب الإنفاق إلى اللّه تعالى، إنفاق المرء على عياله . كما في حديث رواه مسلم: أفضل دينار ينفقه الرجل، دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل اللّه . ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل اللّه . كذلك يقول في حديث رواه أبو هريرة وأخرجه مسلم: دينار أنفقته في سبيل اللّه، ودينار أنفقته في رقبة (عتق العبد)، ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك .

وبعد الإنفاق على العيال، يأتي الإنفاق على ذوي القربى، والمساكين وابن السبيل، مصداقاً لقوله تعالى: . . وآتي المال على حبه، ذوي القربى واليتامى والمساكين (البقرة: 177) . ويلي ذلك الانفاق على حوائج المسلمين . كما فعل عثمان رضي الله عنه، حين عزم النبي على غزوة تبوك، وكان بحاجة إلى المال، فجهز عثمان رضي اللّه عنه جيش المسلمين من ماله الخاص، تحقيقاً لقوله تعالى: من ذا الذي يقرض اللّه قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون (البقرة: 245) .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"